صحيفة الرأي العام – سورية
سياسة عربي قضايا عربية

اعتداءات على مراكز الحياة اليومية: «الغول» الاستيطاني يتضخّم

ارتفع عدد الشهداء برصاص المستوطنين في الضفة، منذ بداية عام 2026، إلى 16 شهيداً (أ ف ب)

ارتفع عدد الشهداء برصاص المستوطنين في الضفة، منذ بداية عام 2026، إلى 16 شهيداً (أ ف ب)

تصاعدت، خلال الأيام الأخيرة، اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلّة بشكل لافت، بحيث أصبحن نمطاً يومياً من الإرهاب المنظَّم الذي يستهدف الإنسان الفلسطيني في حياته ووجوده ومستقبله مع إعادة بناء القواعد العسكرية التي كانت منتشرة في الضفة الغربية المحتلة، في ما يؤشّر إلى نيّة إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديمغرافي في الضفة، وخلق بيئة طاردة للسكان الفلسطينيين، عبر استهداف حياتهم اليومية، سواء عبر العنف المباشر أو عبر التضييق المستمر..

ففي بلدة المغير شمال شرق رام الله، قَتل المستوطنون، الثلاثاء الماضي، الطفل أوس النعسان (14 عاماً)، الذي كان قبل سبع سنوات يقف أمام جسد والده الشهيد حمدي النعسان، عندما أرداه قتيلاً مستوطنٌ خلال هجوم على القرية عام 2019. وقضى أوس بعدما أطلق مستوطن الرصاص بشكل مباشر على الطلّاب والأهالي الذين هبّوا لإنقاذهم، ليختم عمراً قصيراً أمضى نصفه (7 سنوات) يتيماً. وإلى جانب أوس، قضى برصاص المستوطنين الذي كان ينهال كالمطر، الشاب جهاد أبو نعيم (32 عاماً) من القرية وأصيب آخرون، في مشهد يختصر ما يعيشه الفلسطينيون من معاناة على أيدي عصابات المستوطنين.

وفي دير دبوان شرق رام الله، استشهد الشاب عودة عاطف عواودة (25 عاماً)، الأربعاء الماضي، متأثّراً بإصابته برصاص مستوطنين خلال هجوم على منطقة الظهر في البلدة، التي أغلقت قوات الاحتلال مدخلها بالتزامن مع الهجوم، واقتحمتها لاحقاً، كما نفّذت حملة اعتقالات طاولت 30 مواطناً. وكان استشهد، قبل ذلك في محافظة الخليل، الطفل محمد الجعبري دهساً على يد مستوطن في أثناء توجّهه إلى مدرسته، في واقعة تعكس طبيعة الإرهاب المتصاعد الذي لم يعُد يقتصر على إطلاق النار، بل يشمل كلّ أشكال القتل الممكنة.

وأفادت وسائل إعلام عبرية بأن مركبة تابعة لوحدة «مغين» المسؤولة عن تأمين الوزراء وكبار المسؤولين في حكومة الاحتلال، دهست الجعبري، الثلاثاء الماضي، على «الطريق السريع 60» المؤدّي إلى مستوطنة «كريات أربع» عند مفترق بيت عينون قرب الخليل، ما أدى إلى استشهاده على الفور، مشيرةً إلى أن سيارة في موكب وزيرة الاستيطان، أوريت ستروك، هي التي قتلت الفتى.

تُظهر التطورات الأخيرة أن الضفة الغربية باتت ساحة مفتوحة لاعتداءات المستوطنين

وتأتي هذه الجرائم في وقت تفيد فيه معطيات وزارة الصحة بارتفاع عدد الشهداء برصاص المستوطنين في الضفة، منذ بداية عام 2026، إلى 16 شهيداً، في حين تشير بيانات «هيئة مقاومة الجدار والاستيطان» إلى تنفيذ مئات الاعتداءات التي تنوّعت بين شنّ هجمات على القرى والبلدات ومنازل المواطنين، وحرق الممتلكات، والضرب وسرقة الأملاك وتسييج الأراضي. واللافت في هذه المرحلة، لا يتمثّل في عدد الاعتداءات فقط، بل في طبيعتها أيضاً؛ فهي لم تعُد تقتصر على أطراف القرى أو المناطق الزراعية، بل باتت تستهدف مراكز الحياة اليومية، بما في ذلك المدارس والطرق الرئيسة، مثلما حدث في المغير – حيث استهدف هجوم المستوطنين المدرسة قبل أن تتدخّل قوات الاحتلال باستخدام الغاز والرصاص لتفريق الأهالي -، ومثلما يحدث أيضاً في خربة أم الخير في مسافر يطا جنوب الخليل، حيث يواصل المستوطنون إغلاق الطرق المؤدية إلى المدارس، ويحرمون الطلبة من الوصول إلى مقاعدهم، أو يجبرونهم على سلوك طرق بديلة وعرة. وفي الأغوار الشمالية، هدم المستوطنون، فجر الثلاثاء، مدرسة المالح في التجمع البدوي، التي كانت تحتضن حوالي 70 طالباً وطالبة يتلقّون تعليمهم الأساسي من الصفّ الأول حتى الرابع، وهشّموا مساكن الأهالي المحيطة بالمدرسة بالجرافات، كما رفعوا أعلام الاحتلال على ما تبقّى من مساكن أُجبرت العائلات القاطنة فيها على الرحيل منها في أوقات سابقة. وكانت الاعتداءات على «المالح» أدّت إلى تناقُص عدد طلاب المدرسة إلى 30، ثمّ إلى 16 طالباً، قبل أن يتمّ الآن إفراغها بالكامل.

وتُظهر هذه التطورات أن الضفة الغربية باتت ساحة مفتوحة لاعتداءات المستوطنين، في ظلّ غياب فعلي لأيّ آليات ردع، بل وتحت حماية قوات الاحتلال، أو على الأقلّ من دون تدخّلها. وهكذا، بات يتحرّك المستوطنون بثقة أكبر، مستندين إلى غياب المحاسبة، وإلى دعم سياسي مباشر يتمثل في استمرار التوسع الاستيطاني، والتشجيع من وزراء حكومة الاحتلال. وبالتوازي مع تصاعد هذه الاعتداءات، يتواصل التوسع الاستيطاني بوتيرة متسارعة؛ إذ شهدت المدة الأخيرة إعادة تفعيل بعض المستوطنات، والاستعداد لافتتاح أخرى، وذلك في إطار سياسة تهدف إلى تعزيز السيطرة على الأرض.

وقد شارك وزير الحرب، يسرائيل كاتس، ووزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، وقادة الاستيطان في افتتاح مستوطنة «صانور» في محافظة جنين بشكل رسمي، في وقت تعهّدوا فيه بافتتاح مستوطنة «جانيم» في الوقت القريب؛ علماً أن المستوطنتَين المذكورتَين أخلتهما الحكومة الصهيونية عام 2005. ويترافق ما تقدّم، مع إعادة بناء القواعد العسكرية التي كانت منتشرة في محافظة جنين مِن قَبل، من مثل معسكر عرابة العسكري، في ما يؤشّر إلى نيّة إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديمغرافي في الضفة، وخلق بيئة طاردة للسكان الفلسطينيين، عبر استهداف حياتهم اليومية، سواء عبر العنف المباشر أو عبر التضييق المستمر.