تليل إخباري إعداد أحمد بدور

لقد كانت العملية التي تمت قبل ألف يوم من يوم أمس أي عملية السابع من تشرين الأول 2023، نقطة تجول رهيبة في المنطقة فبعدها اندلعت الحرب التي ما لبثت أن امتدّت وتوسّعت، والآن لا تبدو المنطقة البتّة، كما كانت قبل ذلك اليوم. فقد سجّلت عملية «طوفان الأقصى» لحظة كاشفة ومؤسِّسة في سجلّ الصراع مع العدو الصهيوني؛ إذ أطلقت حرباً طويلة، وفتحت أبواب الإقليم على سلسلة تحوّلات أمنية وسياسية وعسكرية، امتدّت من غزة والضفة الغربية إلى لبنان وسورية والعراق وإيران، ووضعت المشروع الصهيوني، كما «محور المقاومة»، أمام اختبارات غير مسبوقة.
ففي قطاع غزة، ذهب الكيان الصهيوني إلى أقصى ما يمكنه من عنف وإجرام، محوّلا الحرب إلى إبادة مفتوحة، تنوّعت وجوهها بين قتل جماعي، وتجويع، وتهجير متكرّر، وتدمير منظّم للمدن والمخيمات، وملاحقة للصحافيين والأطباء والمسعفين، في محاولة لاستهداف المجتمع الفلسطيني بأكمله، في تماسكه وذاكرته وقدرته على البقاء. وامتدّ العنف الصهيوني إلى القدس والضفة الغربية أيضاً، حيث دشّن العدو سياسات استيطانية أوسع، ومارس الحدّ الأقصى من الضغوط العسكرية والأمنية على مدن الضفة وبلداتها ومخيماتها، وصولاً حتى تجريف بعضها وتهجير أهلها.
غير أن هذا العنف، على اتساعه وإفراطه، لم يفلح في محو أثر الصدمة الأولى التي حفرت عميقاً في الوعي الصهيوني، في حين خرج الكيان من الحرب مثقلا بوصمة الإبادة، وأكثر انكشافاً أمام سؤال العجز عن الحسم، والابتعاد أكثر فأكثر عن تحقيق «النصر المطلق».
أما في لبنان، حيث بادر حزب الله منذ اليوم الأول إلى مساندة غزة، فرغم فداحة خسائره في حرب أيلول 2024، وما نتج منها من ارتدادات، عاد إلى الميدان مجدّداً، مثبتاً، في المنازلة الأخيرة، قدرة عالية على التعافي وإعادة التنظيم، ومتمكّناً، على هول الخسائر، من كسر دائرة نتائج الحرب السابقة التي كرّست احتلالاً لجزء من الجنوب، وحرية قتل يومي على طول البلاد وعرضها، ودافعاً، بإسناد من إيران، بالملف اللبناني إلى طاولة التفاوض الكبرى.
وبالنسبة إلى إيران، فقد حملها اتساع العدوان الصهيوني الأمريكي عليها على مغادرة سياسة «الصبر الاستراتيجي»، والانتقال إلى المواجهة المباشرة، مع حافزية مرتفعة نسبياً. ومع الهجمات الصاروخية وبالطائرات المسيّرة التي ثبتت فاعليتها في الجولة الأخيرة، وتحويل مضيق هرمز وأمن الطاقة إلى جزء من «معادلة الاشتباك» الإقليمية، فاستطاعت فرض قاعدة جديدة: أيّ مساس بأمنها لن يبقى محصوراً في جغرافيا إيران أو فلسطين المحتلة، بل سيمتدّ مباشرة إلى المصالح الأميركية والغربية في المنطقة وما وراءها. وبذلك، أفهمت طهران المعنيين بأن في مقدورها خنق اقتصاد العالم، وهزّ استقرار أسواق الطاقة والمال، كما لم يحدث من قبل.
وعلى الضفة الأخرى من المشهد، راح الكيان يعيد تعريف عقيدته الأمنية، على قاعدة أن الحرب لم تعُد وسيلة لخدمة السياسة، بل غاية قائمة بذاتها؛ وأن الميدان وحده، وما يتحقّق فيه، هو معيار النجاح. وهي قاعدة روّجت لـ«درّة تاج» ما استخلصه من تجربة السابع من تشرين الأول المريرة، أي سياسة «المناطق الأمنية العازلة» داخل غزة ولبنان وسورية. لكنها، في التطبيق، اصطدمت بحدود قاسية وصارمة؛ إذ لا قدرة لديها على حرب مفتوحة بلا كلفة اقتصادية واجتماعية، ولا استقلال فعلياً عن الولايات المتحدة في السلاح والذخيرة والغطاء السياسي، ولا إمكان لتحويل الإنجازات التكتيكية إلى انتصار استراتيجي مستدام. وهكذا، وجد رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، نفسه أسير شعارات رفعها، وأهداف وعد بتحقيقها، إلا أنه فشل في بلوغها، وهو ما بات يهدّد مستقبله السياسي بأكمله.
ولم يكن اليمن والعراق وسورية خارج هذا الزلزال؛ ففي حين استطاع اليمن، بمعارك الإسناد المتتالية، فرض نفسه لاعباً رئيساً ضمن محور المقاومة، وإجبار الولايات المتحدة على التراجع عن معركة لم تستطع حصد أيّ نتائج منها، وجد العراق نفسه ساحة غير ثانوية لاشتباك بين فصائل الحشد الشعبي والولايات المتحدة والكيان، وهو ما يحاول هضم نتائجه هذه الأيام، على المستويَين الأمني والسياسي. أما في سورية، فأدى سقوط النظام السابق، نهاية عام 2024، إلى قطع إحدى أهمّ ركائز الإسناد الجغرافي والسياسي لحزب الله، واستغل الكيان الوضع السوري الناشىء بعد السقوط فاحتل أراضي جديدة ذات قيمة استراتيجية /جبل الشيخ/ ويقوم بتوغلات واعتداءات شبه يومية في الجنوب السوري.
وهكذا، تُنبئ 1000 يوم من الحرب بمرحلة إقليمية جديدة، يبدو فيها الكيان الصهيوني أكثر توحّشاً، لكنه أقلّ قدرة على فرض نهايات حاسمة، وإيران ومحورها أثقل كلفة وجراحاً، لكنهما أكثر حضوراً على مستويَي الردع والتماسك، فيما تَظهر المنطقة كلها على أعتاب نظام أمني – سياسي جديد، لم تُكتب قواعده النهائية بعد.
وفي ميدان الربح والخسائر على ما اعتقد إن نتائج تلك العملية بغض النظر عن أثرها المعنوي كانت مؤلمة جدا للعرب وخاصة في فلسطين ولبنان وسورية ولا أعتقد بانها تساوي الاثر المعنوي الذي احرزته حيث كسرت السمعة الكبيرة للأمن الصهيوني وما تزال وسائل الإعلام العبرية تتحدث عن هول ما حدث وأثره على الكيان بكامله، لكن ذلك لا يبني ما دمر ولا يعيد ما احتل من الأرض.

