
ابنة سرية لصدام أم مدعية نسب؟ (من الويب)
تصاعَد الجدل في الأوساط اليمنية مؤخراً، حول هوية امرأة تحمل وثائق يمنية وتدّعي أنها الابنة السرية للرئيس العراقي الراحل، صدام حسين. وتحوّل الأمر إلى قضية رأي عام أثارت انقساماً قبلياً في محافظة الجوف، وذلك بعدما لجأت المدّعية، التي تقدّم نفسها باسم «ميرا صدام حسين»، إلى أحد مشايخ قبيلة دهم وقصت ضفائرها، مطالبةً بمساندتها لاستعادة ما تصفه بممتلكات صدام في اليمن. وتشتبه صنعاء في أن هذه القضية يجري استغلالها من جانب خصومها في الداخل والخارج، في إطار الردّ على تهديداتها باللجوء إلى كلّ الوسائل الممكنة، بما فيها العسكرية، لكسر الحصار السعودي على اليمن.
وبدا لافتاً اندفاع الشيخ القبلي، حمد بن فدغم، إلى تبنّي القضية، ومن ثمّ مغادرته على خلفيتها إلى المناطق الخاضعة للقوى الموالية للسعودية، واتجاهه نحو قطع الطرق الرابطة بين حضرموت والجوف، وذلك رغم أن القضاء اليمني كان حسم الأمر منذ سنوات، نافياً صحّة ادعاء المرأة، وكاشفاً عن جريمة تزوير وثائق عراقية رسمية. وبدا تصرّف فدغم وما رافقه من تحريض، بحسب مصادر مطّلعة، مرتّباً بعناية ومداراً إعلامياً، بهدف إثارة السخط ضدّ حركة «أنصار الله»، بالاستفادة من المكانة التي لا يزال يحظى بها صدام لدى شريحة من اليمنيين.
وقد بدأت القضية عام 2019، عندما ادّعت المرأة أنها خبيرة في الصناعات العسكرية وتحمل رتبة عقيد ركن في الجيش العراقي، قبل أن تنتهي قضائياً في أواخر عام 2023 بإدانة صاحبتها في قضية تزوير جسيمة أمام محكمة شمال الأمانة الابتدائية في أمانة العاصمة، ثمّ تثبيت الحكم في محكمة الاستئناف. وتكشف حيثيات الحكم عن أبعاد أمنية وعسكرية تتجاوز مجرّد ادّعاء النسب، في حين يبيّن مصدر قانوني، في حديث إلى «الأخبار»، أن مسألة إثبات النسب هي من اختصاص القضاء العراقي، وليس القضاء اليمني، الذي انصبّ نظره على جرائم التزوير وانتحال الصفة.
وبحسب ملف القضية الجنائية الجسيمة رقم 136، والصادر حكمه في 3 آذار 2023، انتحلت المدّعية رتبة عقيد في الجيش العراقي بالرقم العسكري 40016، وزوّرت استمارة انتساب إلى حزب «البعث» العراقي، كما ادّعت امتلاكها وثائق خاصة ببرنامج السلاح النووي العراقي منسوبة إلى صدام، وأقدمت على تزوير توقيع الأخير عام 2020. وأضافت حيثيات الحكم أن المذكورة قدّمت نفسها لعدد من القيادات في صنعاء بوصفها خبيرة في تصنيع الأسلحة، طالبةً السماح لها بإنشاء ورشة لتصنيع منظومات دفاع جوي، مدّعية امتلاكها خبرة واسعة في هذا المجال، وطلبت أيضاً الاطلاع على ورش التصنيع ومخازن الأسلحة. كذلك، زعمت أن نظام صدام نقل نحو 15 مليار دينار كويتي من بغداد إلى صنعاء عقب حرب الخليج الثانية، وأن هذه الأموال كانت مخزّنة داخل منزل الراحل في اليمن، من دون أن تقدم أيّ دليل يثبت صحة تلك المزاعم.
أقارب صدام ينفون أي صلة للمدعية به
وأُغلقت القضية نهائياً أواخر عام 2023 بعد إدانة المرأة، التي تَبيّن أنها تحمل هوية يمنية باسمٍ آخر وسبق لها الزواج أربع مرات خلال 15 عاماً. إلا أن الملف أعيد فتحه إعلامياً مطلع العام الجاري، بدايةً باعتباره قضية حقوقية لامرأة تطالب باستعادة وثائق عراقية صادرتها السلطات القضائية عقب الحكم عليها بالتزوير، ومن ثمّ من بوابة اتهام رجل الأعمال وتاجر السلاح، فارس مناع، مطلع نيسان الماضي، بالاستيلاء على منزل أسرة صدام في صنعاء، وهو ما نفاه مناع بصورة قاطعة. وبحسب مصادر مطلعة، فإن المبنى المشار إليه يتبع اللواء محمد صالح الأحمر، قريب الرئيس اليمني الراحل، علي عبد الله صالح، وإن أسرة سعد سبعاوي التكريتي، ابن شقيق صدام، كانت أقامت فيه قبل مغادرتها صنعاء عام 2009.
وفي حين ذكرت المدّعية، في حكم الاستئناف، أنها على خلاف مع رغد صدام حسين بسبب رفض الأخيرة الكشف عن أماكن مخازن أسلحة تعود إلى والدها في اليمن -وهو ادعاء لم تسنده بأيّ دليل- نفت رغد أيّ صلة للمرأة بعائلتها. كما أصدر سعد سبعاوي بياناً تداولته مواقع التواصل الاجتماعي، أكد فيه أن «ميرا» لا تمتّ إلى عائلة صدام بأيّ صلة قرابة. وقال: «نحن عائلة عربية هاشمية النسب، معروفة بأصولها وقيمها وعاداتها، ولم نتخلّ يوماً عن أي امرأة من نسائنا تحت أيّ ظرف كان، ولم نتربَّ يوماً على وجود أبناء غير معلنين أو علاقات تخفى عن العائلة أو المجتمع».
ومع ذلك، شهد الملف تطوّراً جديداً مطلع آذار الماضي، عندما أعلنت المدعية أنها أجرت فحصاً للحمض النووي (DNA) يثبت أنها ابنة صدام. غير أن مراجعة الوثائق أظهرت أن نتيجة الفحص صادرة من جهة طبية مصرية باسم ذكر لا أنثى، كما أن المختبر الذي أصدرها بدا أقرب إلى جهة غير معروفة أو شبه وهمية، وفق ما توصّلت إليه محاولات التحقّق، وهو ما عزز الشكوك بشأن صحّة الوثائق.
بعد ذلك، لجأت المدعية إلى ابن فدغم، أحد مشايخ قبيلة دهم في محافظة الجوف، طالبةً دعم القبيلة. واستجاب الشيخ للدعوة، ووصل إلى صنعاء على رأس وفد قبَلي، حيث شُكّلت لجنة بتوجيهات من مكتب قائد حركة «أنصار الله»، عبد الملك الحوثي، للنظر في القضية والتحقّق من صحة ادعاءات المرأة. غير أن الشيخ حاول لاحقاً مغادرة صنعاء برفقة المرأة في اتجاه الجوف، ملوّحاً بقطع الطرق للضغط على السلطات، فتمّ احتجازه لأكثر من شهر، بينما أُفرج عن المرأة وسُلّمت إلى أسرتها في العاصمة.
وأخيراً، وبالتزامن مع إعلان «أنصار الله» التعبئة والاستعداد لجولة تصعيد جديدة مع السعودية، غادر ابن فدغم مناطق سيطرة الحركة إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً. كما قاد الرجل، الذي تتّهمه “أنصار الله” بتلقّي دعم من «اللجنة الخاصة» في الديوان الملكي السعودي، تحشيداً لمسلّحين في منطقة الريان شمال شرق الجوف، وأعلن قطع الطريق الصحراوي الرابط بين حضرموت والجوف وصنعاء، ومنع المسافرين من المرور. وفي المقابل، عدّت سلطات صنعاء تلك الخطوات جريمة حرابة وانتهاكاً لاتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدة أنها ستتعامل معها بالحسم.

