صحيفة الرأي العام – سورية
دولي سياسة

ما وراء الصراع على «هرمز»: أميركا تكافح لمنع تثبيت هزيمتها

الحرب المحدودة قد تنزلق إلى صراع أوسع بسبب إسرائيل (من الويب)

الحرب المحدودة قد تنزلق إلى صراع أوسع بسبب إسرائيل (من الويب)

يرى المحللون والمراقبون أن ما جرى في الأسابيع اللاحقة لتوقيع «مذكّرة التفاهم» بين إيران والولايات المتحدة، ولا سيما في الأيام الأخيرة،يؤكّد أن الطرفَين أبعد ما يكونان عن دخول مرحلة التهدئة والتسوية، بل قد يشير إلى استمرار النزاع بينهما، إنما بأشكال مختلفة. فالاشتباكات العسكرية في الخليج لا تزال مستمرة، والخلافات حول آلية عبور السفن في مضيق هرمز تتصاعد، فيما التوتّرات المتّصلة بلبنان تحتدم، والسجال بين الطرفَين حول نطاق التزاماتهما بمذكّرة التفاهم يدخل طوراً جديداً.
هنا، قد يبدو أن جذور الأزمة الراهنة تكمن في الخلاف حول تفسير بعض بنود مذكّرة التفاهم فحسب؛ فعلى سبيل المثال، في ما يتّصل بإدارة مضيق هرمز، ترى إيران أن الترتيبات المنصوص عليها يجب أن تُنفّذ على أساس الآليات التي ترتئيها هي، في حين لا توافق الولايات المتحدة على هذا الطرح، وتسعى إلى فرض بديل منه. بيد أن التدقيق في ما وراء التوترات الحالية يبيّن أن ما يجري الآن، هو في الواقع نزاع على معالم النظام الإقليمي الذي يُفترض أن يتشكّل ويترسّخ بعد الحرب، والذي سيتمّ فيه تحديد مكانة كلّ لاعب رئيس، ونطاق نفوذه، وحصّته من السلطة، وأدوات الضغط التي يمتلكها للسنوات المقبلة.
وعليه يسعى الطرفان، خلال مهلة الستين يوماً لتنفيذ مذكّرة التفاهم، وقبل بلوغ اتفاق نهائي، إلى تعزيز موقعَيهما وانتزاع اليد العليا، تمهيداً للمرحلة التالية. فالولايات المتحدة تريد تقليص قدرات الضغط والنفوذ التي تمتلكها إيران، ومنعها من توظيف مكاسب الحرب في تثبيت موقع دائم ومتقدّم داخل المعادلات الإقليمية. وفي المقابل، تحاول طهران تحويل الامتيازات التي تعتقد أنها انتزعتها، سواء في ميدان الحرب أو في متن التفاهم، إلى مواقع ثابتة وغير قابلة للتراجع.

ما يظهر في مضيق هرمز ولبنان مؤشّر إلى تنافس بين طهران وواشنطن على التأثير في النظام الإقليمي

ومن هنا، فإن كلّ بند في مذكّرة التفاهم يمكن أن يتحوّل، في سياق المفاوضات النهائية، إلى أداة ضغط، أو مساومة، أو إعادة تعريف لتوازن القوى. وفي هذا الإطار، وفي ما يتّصل بملف مضيق هرمز مثلاً، يبدو أن الصراع بات حول من يملك الحق في رسم قواعد الأمن والملاحة في ذلك الممرّ الحيوي؟ إذ تسعى الولايات المتحدة، بدعوى «حرية الملاحة»، وعبر التعاون مع سلطنة عُمان، إلى تثبيت مسار عبور بديل على الحافة الجنوبية للمضيق، وتقليص ارتباط حركة الملاحة البحرية بالآليات التي تعتمدها إيران؛ وهو ما لا يمكن أن تَقبله الأخيرة. فالمسألة بالنسبة إلى طهران لا تقتصر على تحصيل الرسوم، أو مراقبة السفن، أو فرض قيود ظرفية، بل تتمحور حول الاعتراف بدورها الجيوسياسي في واحد من أهم الممرّات الحيوية للطاقة والتجارة العالمية، والتسليم بحيازتها منجزاً استراتيجياً، من شأن تثبيته أن يعزّز مكانتها الإقليمية في نظام ما بعد الحرب. ومن هنا، تَنظر إيران إلى تثبيت المسار البديل من دون موافقتها أو مشاركتها، بوصفه إضعافاً لإحدى أهم أوراق الضغط لديها.

ويمكن رصد نمط مماثل في الملف اللبناني أيضاً؛ إذ فُسّر إدراج اسم لبنان في نص مذكّرة التفاهم، في نظر العديد من المراقبين، بوصفه أحد أهمّ مكاسب إيران في هذه الوثيقة، واعترافاً ضمنياً بدورها ومكانتها في أحد أكثر الملفات الإقليمية حساسية. غير أن الولايات المتحدة سعت، على خطّ مواز، إلى تحييد هذا الامتياز أو تقليصه. ومن وجهة نظر طهران، قد يكون تسارع وتيرة المحادثات بين السلطة اللبنانية وإسرائيل، محاولة لتجاوز دور الجمهورية الإسلامية، وتقليص تأثيرها في المعادلة المستقبلية المتّصلة بلبنان.
على أن الضغط الأميركي الرامي إلى تقييد نطاق تنفيذ الاتفاق، لا يُعزى إلى مجرّد انعدام الثقة التقليدي بإيران، أو الرغبة في منعها من تسييل مكاسبها فحسب، بل مردّه أيضاً إلى قلق حلفاء واشنطن الإقليميين من أن يفضي التفاهم الإيراني – الأميركي في نهاية المطاف، إلى ترسيخ دور طهران في المعادلات الأمنية للمنطقة. ويتعلّق هذا القلق، على وجه الخصوص، بأن أيّ إقرار بدور رسمي أو شبه رسمي لإيران في مضيق هرمز أو لبنان أو غيرهما من الملفات الإقليمية، سيمثّل إخلالاً بالتوازن المنشود الذي تسعى إليه تلك الدول. ولذا، تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى مراعاة حساسيات شركائها الإقليميين وملاحظاتهم.

إزاء ذلك، يبقى السؤال الجوهري: إلى أين سيمضي مسار استحضار أوراق الضغط المتبادلة هذا؟ في الظروف الراهنة، لم تُغلق أبواب التفاوض تماماً، ويبدو أن أياً من الطرفين لا يرغب في الانهيار الكامل للمسار الدبلوماسي. لكن في الوقت نفسه، تختبر طهران وواشنطن الخطوط الحمر لبعضهما؛ وهو ما يمثّل وضعاً بالغ الخطورة، إذ قد لا يرغب أيّ من الطرفين في حرب شاملة، لكنّ كليهما، خطوة بخطوة، ونتيجةً لتراكم الردود المتبادلة، قد يُستدرجان نحو ذلك السيناريو عينه.
ويتفاقم الخطر حين يحضر عامل ثالث كإسرائيل في المشهد؛ وهي لاعب يعارض أساساً أيّ مسار دبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، ولا يزال يعتقد أن بالإمكان، عبر مواصلة الحرب ، التحوّل إلى القوة المهيمنة في المنطقة. وفي ظروف كهذه، يمكن للتوترات المحدودة بين واشنطن وطهران أن تتحوّل إلى فرصة لتل أبيب لتخريب المسار الدبلوماسي برمّته.