تقرير إخباري إعداد أحمد بدور

نفت السفارة الإيرانية في سيول ضلوع طهران في تفجير استهدف السفينة الكورية الجنوبية «مارو» في مضيق هرمز (وكالة مهر)
يرى خبراء أن التدقيق في منهجية المواجهة البحرية بين إيران والولايات المتحدة يوصلنا إلى نتيجة مفادها أن هذه المواجهة لا يمكن أن تُقرأ وفق القواعد التقليدية للحروب البحرية الكلاسيكية، القائمة على التفوّق العددي لحاملات الطائرات، أو السيطرة الجوية المطلقة، أو الحسم السريع عبر الضربات المباشرة.
فاذا ما تمعنا في الأحداث الأخيرة في المضيق، وما رافقها من تعثّر في الخطط الأميركية الهادفة إلى تأمين حرية الملاحة وفرض السيطرة البحرية الكاملة تحت شعارَي “الحرية” و”الإنسانية”، يتأكد لنا من جديد أن المعركة في الخليج و”هرمز” تخضع لمنطق “الحرب البحرية غير المتناظرة”، والتي تسعى إيران عبرها إلى تغيير قواعد الاشتباك، بدل الدخول في مواجهة تقليدية مكلفة، وقد تكون خاسرة من حيث موازين القوة النارية والتفوّق العددي والتقني.
ويبدو واضحا أن الرهان الإيراني، هنا، يقوم على تحويل نقاط القوة الأميركية إلى عناصر استنزاف، فقد تبنّت طهران استراتيجية بحرية تعتمد على المرونة والتشتيت وتعدّد مصادر التهديد ورفع كلفة أيّ تدخل عسكري مباشر. وضمن هذا الإطار، أصبحت طهران تمتلك أوراقاً رابحة لإدارة المواجهة البحرية. ولعلّ أولى هذه الأوراق، هي تكتيك “الهجوم المكثّف” عبر الزوارق السريعة والخفيفة. فبدل الاعتماد على القطع البحرية الثقيلة التقليدية، والتي دُمّر العديد منها بداية الحرب، طوّرت إيران شبكة واسعة من الزوارق المسلّحة القادرة على التحرّك بسرعة كبيرة وتنفيذ هجمات متزامنة من اتجاهات متعدّدة. وتكمن فعالية ذلك التكتيك في أنه يرهق أنظمة الدفاع المتطوّرة الموجودة على متن السفن الأميركية، نظراً إلى أن كثافة الأهداف وسرعة الحركة قد تؤديان إلى تشبّع الأنظمة الدفاعية، وإضعاف قدرتها على الاستجابة الدقيقة. وهكذا، تتحوّل “سياسة الأسراب” إلى أداة لتعطيل التفوق النوعي الأميركي، ما يجبر البحرية الأميركية على التمركز على بعد مئات الكيلومترات عن المضيق.
طهران تعتبر أن العرض الأميركي الأخير يتضمّن بعض البنود غير المقبولة
أما الورقة الثانية، فتتمثّل في الدمج الكامل بين الساحل والبحر ضمن ساحة عمليات واحدة؛ فالعسكر في إيران لا ينظر إلى المياه الدولية بوصفها جبهة منفصلة، بل يعتبرها امتداداً جغرافياً لسواحل إيران وجزرها وقواعدها الصاروخية. ولهذا الاعتبار، نشرت القوات البحرية الإيرانية، على امتداد الساحل الجنوبي، منظومات صاروخية متنوعة قادرة على استهداف القطع البحرية في مسافات مختلفة، الأمر الذي يخلق ما يشبه “مظلّة نارية” دائمة فوق الخليج ومضيق هرمز. ووفق هذه الاستراتيجية، فإن الهدف ليس بالضرورة إغراق السفن الأميركية، بل تقييد حركتها وحرمانها من حرية المناورة الكاملة.
وفي الانتقال إلى الورقة الثالثة، أي الألغام البحرية، فهي واحدة من أكثر أدوات الردع فعالية وأقلها كلفة؛ فمجرّد “احتمال” وجود ألغام في الممرّات البحرية الحسّاسة يفرض على أيّ قوة بحرية تنفيذ عمليات مسح وتطهير معقدة وبطيئة ومكلفة، لا تبدو متوافرة إلى الآن. وفي المقابل، من شأن هذا الواقع أن يمنح إيران قدرة على التأثير تتجاوز البعد العسكري المباشر، وذلك عبر رسم خطوط ملاحة آمنة، تماماً مثلما تفعل اليوم عبر مياهها الإقليمية.
وإلى جانب ما تقدّم، تعتمد إيران، لإدارة هذه المعركة البحرية، على عنصر “الغموض العملياتي” بوصفه أداة ردع بحدّ ذاته. ففي الحرب غير المتكافئة أو غير المتناظرة، يصبح عدم اليقين سلاحاً فعالاً عبر اعتماد الانتشار الواسع والمرونة التكتيكية وإخفاء مواقع التموضع، بما يجعل من الصعب على الطرف المقابل توقّع شكل الهجوم أو توقيته أو مصدره. وهذا النوع من الضبابية العملياتية، يدفع القوة المهاجمة إلى الحذر المفرط واستهلاك الموارد تحسباً لكلّ الاحتمالات.
كذلك، تكمن الأهمية الكبرى في الاستراتيجية الإيرانية، في ربط الميدان العسكري بالميدان الاقتصادي العالمي. فإيران تدرك أن أيّ اضطراب أمني في مضيق هرمز سينعكس مباشرة على أسعار النفط العالمية وحركة النقل البحري وأسواق المال وتكاليف التأمين. وهذا ما لمسته خلال عملية إغلاق المضيق، ما يشير إلى نجاح رهانها على هذه النقطة الاستراتيجية، ويزيد من حساسية صاحب القرار الأميركي تجاه الانخراط في مواجهة مفتوحة.
وإضافة لما سبق فإن الاستراتيجية الإيرانية البحرية لا تتوقّف عند حدود النار والصواريخ فقط، بل تواكبها هجمات إلكترونية على بنى تحتية بحرية أو حملات إعلامية تهدف إلى تضخيم الأثر النفسي والسياسي للمواجهة. كما ثمّة رهان إيراني واضح على عامل الوقت باعتباره عنصراً استراتيجياً حاسماً. ففي حين تميل العقيدة العسكرية الأميركية إلى الحسم السريع والضربات المكثّفة، تعتمد طهران استراتيجية «الاستنزاف التدريجي»، وذلك عبر إطالة أمد التوتّر ورفع الكلفة السياسية والاقتصادية بمرور الوقت. فاستمرار حال القلق وعدم الاستقرار في الخليج، حتى من دون اندلاع حرب شاملة، يمكن أن يخلق ضغوطاً متراكمة على الاقتصاد العالمي وعلى حسابات صناع القرار في واشنطن.

