صحيفة الرأي العام – سورية
ثقافة وفنون عربي

«نازا»… فيلم وثائقي “اسرائيلي” يروي كيف كانت تدار ابادة أهل غزة من تل أبيب

يصعب مشاهدة «نازا» من دون أن يعتصر المرء شعور بالغضب

يصعب مشاهدة «نازا» من دون أن يعتصر المرء شعور بالغضب

فيلم «نازا»، المشارك في المسابقة الرسمية لـ «مهرجان البندقية»، يضعنا وجهاً لوجه مع راحة الحياة التي يعيشها الجنود الصهاينة الذين كانوا يقتلون عن بُعد، فالقتل هنا يحتاج فقط إلى خوارزمية وشاشة وغرفة عمليات مكيّفة.

فعلى أسطح تل أبيب، جلس يوفال أبراهام وراشيل زور، على مدى ثلاث سنوات، يُصغيان في الظلام إلى من شاركوا في الإبادة الجماعية في غزّة. أربعة وعشرون جندياً، وجوه مموّهة وأصوات محرّفة، يتوزعون بين من يعترف بلا أدنى تردد بأن العملية كانت «ممتعة بجنون»، وبين من يبرر مشاركته بالقول إنه كان ينفذ أوامر فقط.
يستمد «نازا» قوته من غياب أي صرخة على الإطلاق، لا دموع، لا انهيار، لا لحظة تطهير، فقط اعتراف بارد يشبه تقريراً إدارياً. يجبرنا الفيلم على سماع الإبادة بلغة مرتكبيها أنفسهم، من دون وسيط، ولا رحمة. ظلال جالسة على أسطح المباني وأصوات مُعدّلة رقمياً، تروي بهدوء مرعب كيف تحوّلت غزّة، بين ليلة وضحاها، إلى معادلة رياضية يُدار فيها الموت من مكتب في قلب الدولة الوحيدة التي يقال عنها أنها الدولة الديمقراطية في الشرق الأوسط، كما يحب الكيان الصهيوني أن يصف نفسه. هذه هي الحالة الدائمة لفيلم «نازا»، العمل الوثائقي الجديد لمخرجي فيلم «لا أرض أخرى» الحائز جائزة أفضل وثائقي العام الماضي.
«نازا» اختصار لعبارة «Nazek Agavi» أي «الأضرار الجانبية». هكذا، وبكل برود، يُسمّي «الجيش» الصهيوني في وثائقه الداخلية أرواح المدنيين الفلسطينيين الذين يتواجدون ضمن نطاق قصف موجّه أصلاً لهدف محدد. لم يخترع أبراهام وزور هذه الكلمة، التقطاها من فم من نطقوها، ضباط ومهندسو استخبارات وفنّيون شاركوا، في صناعة القوائم التي تحوّل بيوتاً بأكملها إلى أرقام قابلة للحذف. الكلمة، مقياس فعلي يُستخدم لحساب عدد الضحايا المدنيين «المقبولين» في كل هجوم.

يروي أحد الجنود المشاركين في الفيلم أن أي عملية تقل فيها نسبة نازا عن عشرين مدنياً كانت تُعتبر مقبولة تماماً، بل إن بعض الغارات أُجيزت رغم توقّع سقوط ما يصل إلى خمسمئة مدني، في مقابل هدف واحد «مطلوب».
بالإضافة إلى مصطلح «نازا»، يفصّل بعض الجنود عمل نظام «لافندر» (Lavender)، البرنامج الذي استند إليه «الجيش» الصهيوني لتوليد قوائم ضمّت عشرات الآلاف من أرقام الهواتف المحمولة، بوصفها «أهدافاً محتملة» مرتبطة بحماس. فالإشارة الصادرة من هاتف متروك قرب سرير أحدهم ليلاً كانت كافية لإدراجه على القائمة. هكذا تتحول الحرب إلى لعبة فيديو تُدار من غرفة، حيث يوصف أحد «الفنيين» تجربته بأنها كانت أقرب إلى «واقع غير مرئي»، تُختزل فيه الأجساد إلى نقاط ضوئية على شاشة.

يرسم الفيلم مراحل الإبادة، تحديد الأفراد عبر تتبّع هواتفهم، ثم تدمير الأبنية بشكل ممنهج فوق رؤوس من فيها، وصولاً إلى ما وصفه أحد الجنود بـ«ألعاب الجوع»، حين حوّل الحصار والمجاعة سكان غزّة إلى فرائس يُطاردها القناصة.
لا يتوقف دور الذكاء الاصطناعي في الفيلم عند تحديد الأهداف، بل يمتد إلى إدارة النزوح نفسه. بعد أن اتُّخذ قرار الهدم الشامل لكل ما تبقى في مناطق بعينها، بحيث لا يبقى للناس شيء يعودون إليه، تولّت المسيّرات مهمة مراقبة حركة النازحين لحظة بلحظة، وحين تسجل الخوارزمية أن نسبة الإخلاء بلغت عتبة معينة، سبعين أو خمسة وسبعين بالمائة مثلاً، تُعطى «الإشارة الخضراء» للقصف. أما من تبقى من السكان في تلك النسبة الباقية، فحظهم، بحسب وصف أحد الجنود بلا مبالاة، أن يكونوا «محظوظين إن نجوا».
كل هذه الاعترافات المرعبة تُروى فوق أسطح مباني تل أبيب، والكاميرا تتلصص على «أمان» من في البيوت، بين نبتة زينة وكرسي استرخاء وضوء مطبخ خافت، بينما تعمل شاشة تلفاز في الخلفية على قناة محلية، لا شيء في الصورة يوحي بأن من يتكلم شارك للتو في وصف قتل رضيع أو تدمير عمارة سكنية فوق رؤوس أهلها.

يختار «نازا» تقشفا بصرياً شبه كامل، إطار ثابت يتأمل خط أفق تل أبيب الليلي وأضواءه المتناثرة، بينما تتحرك الوجوه المموّهة والأصوات المحرّفة كأشباح على هامش الصورة. يروي الجنود أهوالاً لا يمكن تخيلها، جندي يستعيد صورة طفل كان يراقبه عبر الشاشة وهو محاط بجثث أفراد عائلته دون أن يدرك بعد ما جرى، وآخر يصف جثة شاهدها وهي تُنهش من كلاب جائعة في شارع مهجور، فيما يلخّص ثالث ما آلت إليه غزة بجملة واحدة قاسية، «أصبحت المدينة عبارة عن جثث فوق بعض». هذا التناقض بين هدوء المكان والبيوت وفظاعة الكلام هو جوهر ما يريد المخرجان قوله، الإبادة اليوم لا تتطلب من منفذيها أن يغادروا راحتهم، ولا أن يروا الدم بأعينهم، بل يأتون صباحاً إلى العمل، يقتلون، يذهبون للغذاء ثم يعودون للقتل.
تحدث هؤلاء «الفنيون» القائمون على عمليات القتل الممنهج، بعضهم ينتمي إلى «النخبة العسكرية»، عن المقابر الجماعية، وعن تدفق الهرمونات خلال كل مهمة، وعن «الأدرينالين الجامح» المصاحب للحرب، «كان الأمر ممتعاً، لم يتردد أي منا. سألونا عما إذا كنا بحاجة إلى مساعدة نفسية، ولم نكن بحاجة إليها»، هكذا يقول أحدهم.
يتسلل بنيامين نتنياهو إلى الفيلم بصفته صوتاً غائباً حاضراً في آن، عبر مقتطفات أرشيفية من نشرات تلفزيونية تظهر في خلفية بعض المشاهد، حيث يُصرّح بثقة: «نبذل قصارى جهدنا لتجنب قتل المدنيين». هذه الجملة، التي تتردد من شاشة التلفزيون بينما يواصل أحد الشهود سرد تفاصيل مجزرة نفّذها بنفسه، تتحول إلى سخرية قاتلة. وفي المقابل، حين يعجز الكلام عن الإحاطة بما يريدون قوله، يلجأ بعض الجنود إلى القلم، رسوم تخطيطية سريعة يخطّونها بأيديهم في عتمة الليل، خرائط وأسهم ودوائر توضح كيف رُصد الهدف وكيف نُفّذت الضربة.
يترك «نازا» المُشاهد أمام سؤال كبير: إلى أين يقود هذا التحالف بين الذكاء الاصطناعي والحرب؟ حين تتحول قرارات القتل إلى نواتج خوارزمية تُصدر بسرعة تفوق قدرة الإنسان على المساءلة، يصبح الجندي مجرد منفّذ لتوصية آلية، والضحية مجرد بيانات معالَجة. وما تكشفه الشهادات في الفيلم ليس سوى نموذج أول لما قد يصبح، إن لم تُواجه هذه المنظومات، القاعدة لا الاستثناء في الحروب.
يصعب مشاهدة «نازا» من دون أن يعتصر المرء شعور بالغضب يقترب من الغثيان. ليست الشهادات المروعة وحدها ما يجعل من «نازا» فيلماً ووثيقة قيّمة يُقدّر لها أن تدوم، بل أيضاً القيمة السينمائية والشكلية التي يحملها، إذ يتيح للسينما أن تذهب إلى ما هو أبعد من مجرد التغطية الصحافية. وهو فيلم موجّه، في المقام الأول، إلى أولئك الذين ما زالوا ينكرون ما يجري في غزّة، ليسمعوا الحقيقة أخيراً بلغتهم هم، من أفواه أبناء تلك النخبة العسكرية التي كانت، منذ تأسيس الكيان، مصدر فخر وطني كبير، وهي تروي بنفسها ما حدث وما زال يحدث، انطلاقاً من غرف القيادة المجهولة المتوارية بين ناطحات سحاب تل أبيب.

اترك تعليق