
تبرز التسوية الأخيرة بين نتنياهو والأحزاب الحريدية بوصفها صفقة تبادل منافع في ما تبقّى من عمر «الكنيست» (أرشيف)
يخوض رئيس الحكومة الصهيونية، بنيامين نتنياهو، في آن واحد، حرباً على جبهتَين، لا تقلّ إحداهما شراسةً وتأثيراً فيه، وفي الكيان، عن الأخرى. ففي الوقت الذي تستنزف فيه حروبه الخارجية هيبة إالكيان ومكانته، وتكشف عجزه الاستراتيجي، يخوض الرجل حرباً داخلية ضدّ شركائه وخصومه على حدّ سواء. وهي حربٌ لا تستهدف، بأيّ حال، تحقيق نصر انتخابي، وفق ما قد يوحي به ظاهر الأمور؛ إذ إن خسارة نتنياهو في الانتخابات باتت مرجّحة إلى حد بعيد، في وقت يبدو فيه الكيان أمام استحقاق يتجاوز، بكثير، مسألة الصراع على المناصب، ويقترب من كونه «معركة تأسيسية» ترمي إلى إعادة هندسة القواعد والمحدّدات الدستورية والقانونية. وبذلك، تَظهر الانتخابات المقبلة أشبه بغطاء لمعركة بقاء، يسعى فيها كلّ طرف إلى تفخيخ «الدولة» وتشريع أمر واقع يخدمه في مرحلة ما بعد التصويت، بغضّ النظر عمّن سيرأس الحكومة.
وبالعودة إلى الأسابيع القليلة الماضية، كانت المؤشّرات تنذر بأن القطيعة بين نتنياهو وشركائه من الأحزاب «الحريدية» باتت وشيكة وحتمية. إذ كانت الحسابات السطحية تشير إلى أن نتنياهو لن يجد ما يدفعه إلى التمسّك بهؤلاء الشركاء لمدة إضافية قصيرة، وأن التخلّي عنهم ورفض مطالبهم -عبر الامتناع عن إقرار قانون إعفائهم من الخدمة العسكرية- قد يصبّان في مصلحته الانتخابية، ويجلبان له مزيداً من الأصوات في صناديق الاقتراع، وخصوصاً في ظلّ الغضب الشعبي الواسع من تملّص هذه الشريحة من أعباء القتال. ولذا، رجّحت التوقّعات أن يعمد رئيس الحكومة إلى تزكية حلّ «الكنيست» وتقديم موعد الانتخابات، المقرّر إجراؤها في تشرين الثاني المقبل، شهراً أو شهرين. إلا أن تلك القراءة الظاهرية للأحداث سرعان ما ثبت أنها كانت خاطئة ومضلّلة، في حين ظهر أن الحسابات الحقيقية لنتنياهو تتجاوز، بكثير، منطق كسب الأصوات المؤقّتة.
يدرك نتنياهو أن الأرقام لا تكذب، وأن فرصة فوزه أقلّ بكثير من احتمالات خسارته في الانتخابات المقبلة. فاستطلاعات الرأي، التي تكاد تُجمع عليها مراكز الأبحاث الإسرائيلية، ترسم صورة قاتمة لمعسكره، مانحةً إيّاه وحلفاءه نحو 54 مقعداً فقط من أصل 120. وتعني هذه الأرقام أنه ينقصه 7 مقاعد على الأقلّ لنيل تكليف رئاسي يفتح له باب تشكيل الحكومة. وفي المقابل، تقف أحزاب المعارضة على أعتاب هذا العدد المطلوب، وذلك بحصولها على ما يتراوح بين 57 و58 مقعداً، وهو ما يمنحها أفضلية نسبية في نيل التكليف، وإن كان كلا المعسكرين سيجد نفسه، من الناحية العملية، عاجزاً عن تشكيل ائتلاف مستقرّ من دون اللجوء إلى خيارات مستحيلة سياسياً، من مثل الاستناد إلى مقاعد أحزاب فلسطينيي الـ48، والذي يعدّه الطرفان «عاراً سياسياً» يرفضان تحمّله.
يدرك نتنياهو أن فرصة فوزه أقلّ بكثير من احتمالات خسارته في الانتخابات المقبلة
ووفق منطق انتخابي بحت، كان يتعيّن على نتنياهو أن يرفض مطالب شركائه «الحريديم» بإقرار قانون يعفيهم من الخدمة العسكرية؛ إذ إن رفض هذا القانون سيمنحه ورقة رابحة في حملته الانتخابية، وسيسمح له بالرهان على استمالة الأصوات العائمة والغاضبة، وربّما قلْب موازين القوى لمصلحته. إلا أنه اختار الطريق المعاكس، الذي قد يبدو انتحارياً من الناحية الانتخابية. ومردّ ذلك، أن نتنياهو، الذي يبدو أنه سلّم ضمنياً بأنه لن يكون رئيس الحكومة المقبلة، وأن مكانه الطبيعي سيكون على مقاعد المعارضة، لا يسعى الآن إلى كسب المعركة الانتخابية بقدر ما يتطلّع إلى تحصين نفسه في المرحلة التي ستَعقبها. فهو يشتغل بجهد على تمرير تعيينات لمقرّبين منه وإقرار تشريعات على مقاسه، من شأنها أن تعقّد الواقع السياسي والقانوني أمام أيّ حكومة مقبلة، وتوفّر له شبكة أمان تحميه من الملاحقات القضائية، وتُحوّل مؤسسات الدولة إلى ساحة ألغام تشريعية تَصعب إزالتها على من سيَخلفه.
وفي هذا السياق، تَبرز التسوية الأخيرة بين نتنياهو والأحزاب «الحريدية» بوصفها صفقة تبادل منافع في ما تبقّى من عمر «الكنيست» والحكومة، وفي لحظة الاحتضار السياسي للطرفَين. فمن جانبه، يجني نتنياهو مكاسب تهدف إلى تحصين نفسه على المستويَين القانوني والسياسي، باعتبار أن تمرير قوانين تقسيم صلاحيات المستشار القضائي للحكومة -الذي يدفع في اتجاهه-، سيؤدي إلى إضعاف منصب المستشار وشلّ قدرته على توجيه اتهامات إليه في المستقبل. كما أن إقرار «قانون الإعلام» يتيح له الحدّ من حرية من يمسك بالرأي العام ويقوده ويبلور اتّجاهاته، أمّا إقرار «قانون لجان التحقيق»، فيضمن له عدم تشكيل لجنة تحقيق في الفشل الذي وقع في السابع من تشرين الأول/ 2023، قد تحمّله مسؤولية «الكارثة» التي حلّت بالكيان وقتذاك.
وفي المقابل، يدرك «الحريديم» أن هذه اللحظة قد تكون فرصتهم التاريخية الأخيرة لتثبيت امتيازاتهم. وهم، عبر الموازنة بين المهمّ والأهمّ، رأوا ضرورة عدم التشتّت، والتركيز حصراً على مطلبَين وجوديين: «قانون أساس: دراسة التوراة»، وتعديل «قانون التجنيد» لمنع اعتقال المتخلّفين عن الخدمة. وبالفعل، استقرّت الصفقة على أن يحصل «الحريديم» على هذين القانونين، في مقابل تمرير مطالب نتنياهو. وبهذا، يتطلّع «الحريديم» إلى رفع قانون الإعفاء إلى مرتبة دستورية تجعل من الصعب جداً على أيّ محكمة أو حكومة مقبلة المساس به.
ولا ينبغي النظر إلى كسب شهر أو شهرين من عمر «الكنيست» على أنه مجرّد إطالة زمنية. فهذا الوقت ضروري لإتمام القوانين المطلوبة وإجراء التعيينات الحساسة، وعلى رأسها منصب مراقب الدولة، الذي يحتاج نتنياهو إلى الأصوات «الحريدية» لفرض مرشّحه المفضّل فيه، وتجاوز أيّ تدخّلات محتملة من «المحكمة العليا» لاحقاً. وبهذا، تتكشّف الصورة الكاملة لحرب نتنياهو الداخلية، التي لم تعُد معركة على السلطة أو للفوز في الانتخابات، بقدر ما هي عملية ممنهجة لتلغيم بنية «الدولة» ومؤسّساتها، كي تتلاءم مع مرحلة ما بعد خروجه من الحكم. بتعبير آخر، يسعى نتنياهو لتأمين حبل نجاة ينسجه بعناية منذ الآن، يأمل أن يحميه وحلفاءه من السقوط الكامل، وربّما أيضاً من الاعتقال والسجن.

