
كانت خديجة شحادة تبحث عن عروس لابنها الوحيد محمد أيمن الدبور وتستعد لتزويجه، قبل أن تنتهي حياته برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي في 4 تشرين الأول الماضي قرب القاعدة العسكرية المستحدثة عقب سقوط النظام البائد في الحميدية بريف القنيطرة .
وفي شهادتها لـ سانا، تتحدث عن الابن الذي يبلغ 22 عاماً، والذي كانت تنتظر أن تفرح بزفافه، وتقول: «كان يعيلني ويساعدني في كل شيء».
رصاص الاحتلال يغيّب محمد ويطفئ فرحة والدته
لم تكن والدة محمد تعرف ما جرى له، وتروي أن العائلة انتظرت حتى الصباح بعدما تأخر في العودة في ذلك اليوم، ثم أبلغت عن اختفائه بحثاً عن أي خبر يطمئنها عنه.
وتقول: إن فرق الهلال الأحمر ذهبت لاستعادة جثمانه، مؤكدة أنه لم يكن يحمل سوى هاتفه المحمول، ولم يكن ينتمي إلى أي تنظيم.
أما ابن عمه محمد شحادة، فيستعيد كيف علم باختفائه، ثم رافق أفراداً من العائلة بعدما اطّلعوا على منشور أثار مخاوفهم من أن يكون الشاب الذي قُتل هو محمد، ويقول: إنهم انتظروا أكثر ثلاث ساعات حتى إحضار الجثمان، قبل أن يتعرّف إليه أقارب دخلوا لرؤيته.
ويصف ابن العم علاقتهما القريبة واتصالاتهما اليومية، وكيف كان محمد ينتظره في المنزل كلما جاء لزيارته، مضيفاً: «لم أشعر بألم كهذا من قبل».
لوعة الانتظار
لا تزال عائلات تعيش تبعات اعتقالات سابقة، بينها عائلة كنان بكر من قرية طرنجة، المعتقل منذ الحادي عشر من آب 2025.
وتروي والدته هدى علي بكر في مقابلة مع سانا أن عشرات الجنود اقتحموا منزلهم عند الثانية فجراً، وأطلقوا قنابل صوتية أثارت الذعر بين الأطفال، وتقول: إنهم فتشوا المنزل واستجوبوا الصغار عن وجود أسلحة دون العثور على شيء، ثم اقتادوا كنان معصوب العينين، وضربوه أمام عائلته قبل اعتقاله ومصادرة الهواتف المحمولة في المنزل.
كان كنان يعمل في الزراعة ورعي الأغنام، ويعيل أسرته التي تضم ولدين وبنتاً لم يتجاوز عمرها شهراً عند اعتقاله، ومع غيابه، ازدادت الأعباء على العائلة، ولا سيما بعد تشخيص إصابة زوجته بالسرطان، إذ باتت تعتمد على المساعدات لتأمين نفقات علاجها.
أما مكان احتجازه ووضعه الصحي، فلا تملك الأسرة، وفق شهادة شقيقه عبد الرزاق، معلومات رسمية أو مؤكدة عنهما، ويختصر عبد الرزاق قلق العائلة بقوله: «أكثر ما يقلقني هو غياب المعلومات».
ويبقى انتظار عودة كنان حاضراً حتى في تفاصيل الطعام؛ إذ تقول والدته: «هناك أكلات يحبها الأطفال لم أعد أعدها لأنه كان يحبها أيضاً، نحن نفتقده في كل لحظة».
اعتداءات وتوغلات في تشرين الأول 2026
ووثق تقرير الرصد الشهري الصادر عن مديرية إعلام القنيطرة 125 توغلاً صهيونياً و55 واقعة إقامة حواجز خلال تشرين الأول 2026، إلى جانب الاعتقالات والقصف وتجريف الأراضي واستهداف مصادر المياه والثروة الحيوانية.

وقد سجّل تقرير تشرين الأول سبع حالات لأشخاص ما زالوا معتقلين في سجون الاحتلال، و23 حالة اعتقال أعقبها الإفراج، وأورد أيضاً استهداف شابين على دراجة نارية وإصابة أحدهما واعتقالهما قبل إطلاق سراحهما لاحقاً، وإصابة شاب من ذوي الإعاقة من جباتا الخشب بريف القنيطرة برصاصة في قدمه، ثم الإفراج عنه.
وتكشف شهادات الأهالي كيف تستمر تبعات هذه الاعتداءات بعد وقوعها، في أسر فقدت معيلها، وأخرى تنتظر خبراً عن معتقل في سجون الاحتلال الصهيوني، ومزارعين بات الوصول إلى أراضيهم ومراعيهم محفوفاً بالخطر.
تهديدات تطال الجميع
في القطاع الزراعي، وثّق تقرير مديرية إعلام القنيطرة إطلاق النار على رعاة الأغنام في محيط كودنة، ومنع الرعاة من دخول محمية جباتا الخشب، ونفوق أغنام إثر استهدافها من دورية للاحتلال، كما أورد أعمال تجريف في تلة الحميرية بطرنجة، مع منع المزارعين والرعاة من الاقتراب.
وفي رويحينة، يصف مختار القرية محمد الأحمد الأثر المتراكم لهذه الممارسات على السكان، مقدراً مساحة الأراضي والمراعي التي استولى عليها الاحتلال في القرية بنحو خمسة آلاف إلى ستة آلاف دونم.
ويوضح الأحمد أن إقامة نقاط عسكرية وسواتر ترابية داخل تلك المساحات أجبرت الأهالي على سلوك طرق أطول وأكثر خطورة، وجعلت الوصول إلى بعض المزارع والمراعي شبه مستحيل، في ظل خطر إطلاق النار على من يقترب منها.
ويقول حسن حميد الناصيف، أحد أهالي القرية، والبالغ 68 عاماً: «عندما أخرج لرعي الأغنام لا أشعر بالأمان»، ويروي أن التهديدات تطال حتى الأطفال الذين يقتربون من الأراضي، وأن المضايقات تشمل تفتيش الهواتف ومصادرتها، والاستيلاء على أدوات يستخدمها المزارعون في عملهم.
خسائر تتفاقم

يتحدث مختار رويحينة لـ سانا عن خسائر شخصية بلغت نحو 50 رأساً من الأغنام جرّاء القصف وإطلاق النار، إضافة إلى نفوق بقرة إثر قصف حوش منزله.
ولا تنتهي خسارة المربّين عند نفوق الحيوانات، إذ يدفعهم تعذّر الوصول إلى المراعي إلى شراء مزيد من الأعلاف والحبوب، في وقت تتراجع فيه قدرتهم على الإنتاج وتأمين دخل أسرهم.
وبحسب تقديرات الأحمد، انخفض إنتاج القرية اليومي من الحليب ومشتقاته من نحو خمسة أطنان إلى طنين، وهبط خلال فترات التضييق الأشد إلى ما بين 200 و300 كيلوغرام.
ويشير إلى أن هذا التراجع، الذي يعكس آثار الاعتداءات والقيود المتراكمة، ترافق مع ارتفاع أسعار الأعلاف والتبن والحبوب، وغياب فرص عمل بديلة بعد خسارة الأراضي.
ووفقًا لبيانات مديرية إعلام القنيطرة فإن قوات الاحتلال احتجزت أكثر من 200 رأس من الأغنام و14 رأساً من الأبقار في قرية الرفيد، مشيرة أيضاً إلى صعوبة وصول المربّين إلى المراعي، ولا سيما في القطاع الجنوبي من المحافظة.
استهداف المياه والأعلاف واقتلاع أشجار زيتون

وشمل التقرير توصيفاً للاعتداء على مضخات مياه المزارعين في قرية صيدا الحانوت في الريف الجنوبي، واستهداف صهريج مياه تعتمد عليه المواشي للشرب أثناء الرعي في قرية صيدا الجولان، وإحراق مستودع للتبن خلال توغل في منطقة وادي الرقاد بين درعا والقنيطرة.
كما وثّق التقرير اقتلاع نحو 300 شجرة زيتون في صيدا الحانوت وغرب مزرعة الحانوت باستخدام آليات عسكرية، واستئناف العمل في مشروع «سوفا 53» واقتطاع مزيد من الأراضي الزراعية، إلى جانب استئناف التجريف في حرش جباتا الخشب.
وتضيف هذه الوقائع أعباءً على الخسائر في الأرض والقطعان، إذ تطال المياه والأعلاف والأشجار التي يعتمد عليها نشاطهم اليومي.
قصف وقيود على الحركة والعمل
ورصدت المديرية خلال الشهر نفسه 60 حالة تحليق للطيران و25 واقعة إطلاق قنابل مضيئة.
وأوردت قصفاً مدفعياً طال أراضي زراعية وأحراشاً في مناطق عدة، بينها كودنة وبريقة وبئر عجم وجباتا الخشب، كما سجّلت استهداف الصمدانية الشرقية بسبع قذائف.
وبحسب التقرير، منعت قوات الاحتلال الدفاع المدني من الدخول لإخماد حريق اندلع في أحراش قرب الحميدية إثر إطلاق القنابل المضيئة.
وطالت القيود حركة السكان والعمل داخل البلدات، مع إغلاق جزئي لمداخل حضر بالسواتر الترابية، وإغلاق الطرق المؤدية إلى مزرعة الزعرورة، وإنذار أهالي حضر بعدم السماح ببقاء العمال القادمين من خارج البلدة بعد السابعة مساءً، كما منعت دورية أعمال حفر أساسات في مزرعة بلدة الرفيد، مشترطة الحصول على موافقة قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «الأندوف»، وفق ما أورده التقرير.
وكان أهالي المعتقلين في سجون الاحتلال الصهيوني قد نظموا في تموز الماضي، وقفة احتجاجية أمام مقر قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (الأندوف) في قرية نبع الفوار بريف القنيطرة الشمالي، للمطالبة بالإفراج عن أبنائهم والكشف عن أوضاعهم وظروف احتجازهم.

