صحيفة الرأي العام – سورية
سياسة عربي

تلويح بردّ قريب… وتنسيق مع «المحور» | السعودية – أميركا: هجوم مشترك على العراق

تقرير إخباري إعداد أحمد بدور

عراقيون يشيعون جثماني شهيدين من «الحرس الثوري الإيراني» سقطا في العدوان السعودي - الأميركي في بغداد (أ ف ب)

عراقيون يشيعون جثماني شهيدين من «الحرس الثوري الإيراني» سقطا في العدوان السعودي – الأميركي في بغداد (أ ف ب)

يواجه العراق أخطر موجة تصعيد عسكري منذ أشهر، افتتحها الهجوم الجوي الأميركي – السعودي الذي استهدف، أول أمس، مقارّ تابعة لـ«هيئة الحشد الشعبي» في عدد من المحافظات، مخلّفاً عشرات القتلى والجرحى. مما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المواجهة بين الولايات المتحدة والمقاومة العراقية، تنضمّ إليها السعودية هذه المرّة بذريعة الردّ على استهداف منشآتها النفطية انطلاقاً من العراق، وهو ما ينفيه تبنّي صنعاء لتلك الهجمات، وإدراجها إيّاها في إطار الحصار المعلن الذي أعلنت فرضه على الرياض، ردّاً على الحصار السعودي – الأميركي المفروض على اليمن.
ولأوّل مرّة بعد أشهر طويلة من الخلافات حول ما يسمّى «ملف السلاح» الذي تضغط واشنطن لنزعه من أيدي فصائل المقاومة، وجد العراقيون، حكومة وفصائل وقوى سياسية، مساحة مشتركة، التقوا فيها -وإن ليس بحدّة اللهجة ذاتها- على إدانة الهجوم السعودي – الأميركي، الذي يهدّد بتوسيع الصراع الإقليمي المحتدم، والذي تمثّل حلقته الأبرز الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. ويأتي هذا الهجوم ليُثبت، مرّة أخرى، أن «سياسة التوازن» التي تسعى حكومة بغداد إلى انتهاجها إزاء صراعات الإقليم، تحت عنوان النأي بالبلاد عنها، تواجه تحدّيات كبيرة، باعتبار أن النسيج العراقي نفسه، والاستقطاب الحادّ بين القوى السياسية المختلفة الولاءات، يجعلان سياسة كهذه صعبة التحقّق.

وأعلنت «القيادة المركزية الأميركية» (سنتكوم)، في بيان أمس، أن الهجمات التي نفذّتها بالتنسيق مع القوات السعودية، «استهدفت مخازن أسلحة وإمدادات لوجستية لفصائل مرتبطة بإيران»، اتّهمتها بالوقوف وراء الهجمات التي استهدفت منشآت الطاقة السعودية، والقوات الأميركية خلال الأيام الماضية. وفي المقابل، أعلنت «هيئة الحشد الشعبي» مقتل ما لا يقلّ عن 20 من منتسبيها وإصابة 32 آخرين، فيما تحدّثت وسائل إعلام إيرانية عن مقتل 4 عناصر من «الحرس الثوري» كانوا موجودين داخل المواقع المستهدَفة.
وفور وقوع الهجوم، عقد المجلس الوزاري للأمن الوطني اجتماعاً طارئاً برئاسة رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، علي الزيدي، دان فيه «الاعتداء على العراق»، مؤكداً رفض «أيّ انتهاك للسيادة الوطنية»، وموجّهاً وزارة الخارجية بـ«التحرّك وفق القانون الدولي لتوثيق الانتهاك، بالتوازي مع وضع خطّة أمنية لمنع استخدام الأراضي العراقية في تهديد دول الجوار، والتأكيد على استمرار خطّة حصر السلاح بيد الدولة، وتنفيذ اتفاق إنهاء مهمة التحالف الدولي».

المقاومة تؤكد أن ثبوت وجود تنسيق حكومي مع واشنطن سيقود إلى أزمة داخلية غير مسبوقة

غير أن هذا الموقف الحكومي لم ينجح في تهدئة فصائل المقاومة التي اعتبرت أن بيانات الإدانة وحدها لم تعُد كافية. إذ أصدرت «المقاومة الإسلامية في العراق» بياناً شديد اللهجة أمهلت فيه الحكومة حتى السادس من آب المقبل لإثبات قدرتها على الردّ على “العدوان”، معتبرة أن «ما جرى يمثّل اختباراً حقيقياً لمشروع حصر السلاح بيد الدولة»، ومؤكدة أن «الردّ على الولايات المتحدة آتٍ لا محالة، وأن السعودية قد تكون هدفاً إذا اقتضت الظروف الميدانية ذلك، مع تأجيل أيّ تحرّك إلى ما بعد انتهاء مراسم زيارة الأربعين».
ويكشف قيادي في أحد الفصائل، لـضحيفة «الأخبار» اللبنانية، عن أن «قوى المقاومة تتّجه إلى تنفيذ ردّ خلال 72 ساعة»، مؤكداً أن استهداف السعودية للعراق «لن يمرّ من دون ثمن». ويعتبر أن «العدوان أسقط أيّ نقاش بشأن تسليم السلاح»، مضيفاً أن «كلّ من تحدّث عن حصر السلاح أو نزعه تلقّى الجواب عملياً، فسلاح المقاومة باقٍ، ولن يكون محلّ مساومة». كما يكشف أن «الفصائل تبحث مع أطراف محور المقاومة، بما فيها جماعة أنصار الله اليمنية، خيارات الردّ ضمن تنسيق إقليمي أوسع»، محذراً في الوقت نفسه من أن «ثبوت وجود تنسيق حكومي مع واشنطن سيقود إلى أزمة داخلية غير مسبوقة». والجدير ذكره، هنا، أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، زعم، في حديث مع محطة «فوكس نيوز»، أن «الهجوم على المليشيات في العراق، حدث بتنسيق مع الحكومة العراقية».

وفي السياق نفسه، شدّد القيادي في «كتائب سيد الشهداء»، حامد الكعبي، على أن «دماء الشهداء لن تذهب هدراً»، جازماً أن الردّ سيكون «مزلزلاً»، مبيّناً أن توقيته وآليته يخضعان لحسابات عسكرية دقيقة. كما أكد أن الولايات المتحدة «ستندم» على هذه الضربة، ملوّحاً بإمكان استهداف المصالح الأميركية والسعودية إذا استمرّت العمليات العسكرية.

وعلى الأرض، شهدت بغداد ومحافظات عدّة مراسم تشييع حاشدة لضحايا القصف، شارك فيها مئات الآلاف، رافعين شعارات تندّد بالولايات المتحدة والسعودية و”إسرائيل”، ومتوعّدين بالثأر للشهداء، في مشهد يعكس حجم الاحتقان الشعبي داخل البيئة المؤيدة لـ«الحشد» وفصائل المقاومة.
أمّا على المستوى البرلماني، فقد كشف نائب عن حركة «حقوق» التابعة لـ«كتائب حزب الله» عن جمع أكثر من 60 توقيعاً لعقد جلسة استثنائية لمجلس النواب، بهدف المطالبة بطرد السفير السعودي ووقف العلاقات الاقتصادية مع الرياض، مشيراً إلى أن ما جرى يمثّل «عدواناً مباشراً» وانتهاكاً للسيادة العراقية وللقانون الدولي، داعياً الحكومة إلى اتخاذ خطوات عملية تتجاوز بيانات الإدانة.
وفي المقابل، برزت داخل المشهد السياسي العراقي أصوات تدعو إلى احتواء الأزمة، ومنع انزلاق العراق إلى مواجهة مفتوحة. إذ استنكر زعيم «التيار الوطني الشيعي»، مقتدى الصدر، قصف الأراضي العراقية من «كلّ الدول والجهات»، داعياً «الأخوة في الحرس الثوري الإيراني إلى عدم استهداف أراضينا المقدسة المستقلّة إذا لم تكن هذه الأراضي منطلقاً للهجمات ضدّ الجمهورية الإسلامية»، مضيفاً أن «على الميليشيات المنفلتة عدم إعطاء الذريعة للأخوة في الخليج لقصف أراضينا المقدّسة». ومن جهته، شدّد رئيس مجلس النواب، هيبت الحلبوسي، على ضرورة إجراء تحقيق شفاف في ملابسات “العدوان”، ومحاسبة أيّ جهة تستخدم الأراضي العراقية للاعتداء على دول الجوار، بالتوازي مع التحرّك القانوني والدبلوماسي لحماية السيادة العراقية.

وفي الاتجاه نفسه، يرى الباحث في الشأنين السياسي والأمني، محمد الفتلاوي، في حديث إلى «الأخبار»، أن العدوان يتجاوز بعده العسكري المباشر، «إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك داخل العراق وإجبار الحكومة على حسم موقفها من الفصائل». ويعتقد أن «واشنطن والرياض تسعيان إلى فرض معادلة ردع جديدة بعد الهجمات على منشآت الطاقة السعودية»، محذراً في الوقت نفسه من أن «أيّ رد واسع قد يحوّل العراق إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين المحورَين المتصارعين، ويقوّض الجهود الحكومية لإبعاد البلاد عن الاستقطاب الإقليمي».