
قد يبدو الجلوس لساعات طويلة جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية، خصوصاً مع الوظائف المكتبية والعمل أمام الشاشات، لكن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن نمط الحياة الخامل قد يؤثر في الصحة أكثر مما يعتقد كثيرون.
وبحسب تقرير نشرته «واشنطن بوست»، فإن الجلوس لفترات طويلة يرتبط بارتفاع خطر الإصابة بعدد من المشكلات الصحية، حتى لدى الأشخاص الذين يمارسون الرياضة بانتظام.
هل الجلوس الطويل مضر فعلاً؟
على مدى السنوات الماضية، ربطت دراسات عديدة الجلوس لفترات طويلة بـ:
* قِصر العمر
* ارتفاع خطر الوفاة بسبب أمراض القلب
* زيادة خطر الوفاة لأسباب صحية مختلفة
ورغم اختلاف الدراسات حول المدة التي تُعتبر «مفرطة»، فإن معظم الأبحاث تشير إلى أن الجلوس لأكثر من:
8 إلى 10 ساعات يومياً
قد يرتبط بزيادة المخاطر الصحية.
ويؤكد الخبراء أن المشكلة لا تتعلق بيوم واحد طويل، بل بتحول الجلوس إلى عادة يومية مستمرة على مدى سنوات.
ما الأمراض المرتبطة بالجلوس الطويل؟
تشير الدراسات إلى أن نمط الحياة الخامل قد يرتبط بارتفاع خطر الإصابة بـ:
* السكري من النوع الثاني
* أمراض القلب
* هشاشة العظام
* الاكتئاب
* التراجع الإدراكي
* بعض أنواع السرطان
كما أظهرت دراسة نُشرت عام 2024 في مجلة Journal of the American Heart Association، وشملت نحو 6000 امرأة مسنّة، أن النساء اللواتي جلسن أكثر من 11 ساعة يومياً كنّ أكثر عرضة بنسبة:
* 57% للوفاة لأي سبب
* 78% للوفاة بسبب أمراض القلب
مقارنة بمن جلسن أقل من 9 ساعات يومياً.
لماذا يؤثر الجلوس في الجسم بهذه الطريقة؟
العضلات تصبح أقل نشاطاً
يقول الباحث كيث دياز:
«ما نتعلمه هو أن العضلات مهمة جداً لتنظيم السكر والدهون الثلاثية في الدم».
ويشرح أن العضلات تحتاج إلى انقباض وحركة منتظمة لتقوم بهذه الوظائف بشكل جيد، وهو ما لا يحدث أثناء الجلوس الطويل.
ضعف تدفق الدم
يرتبط السبب الثاني بالأوعية الدموية.
فبحسب دياز، يشبه انثناء الساقين أثناء الجلوس الطويل «التواء الخرطوم»، ما قد يعيق تدفق الدم بشكل طبيعي. ومع الوقت، قد يساهم ذلك في:
* تصلب الأوعية الدموية
* زيادة خطر أمراض القلب
* ارتفاع خطر السكتات الدماغية
الجلوس وآلام الظهر والرقبة
الأشخاص الذين يجلسون لفترات طويلة أكثر عرضة أيضاً للإصابة بـ:
* آلام الظهر
* آلام الرقبة
ويرى الخبراء أن ذلك قد يرتبط بتأثير الجلوس الطويل في وضعية الجسم وضعف العضلات.
ويقول الطبيب نغوين:
«الجلوس يؤدي إلى خمول العضلات، ما قد يسبب ضعفاً عضلياً».
ويوضح أن ضعف العضلات يجعل الشخص أكثر ميلاً للانحناء والجلوس بوضعيات غير صحية، ما قد يؤدي مع الوقت إلى اختلالات عضلية وآلام مزمنة.
هل «الجلوس هو التدخين الجديد»؟
رغم انتشار عبارة:
«الجلوس هو التدخين الجديد»، فإن الخبراء يؤكدون أن المقارنة ليست دقيقة تماماً.
فأحد التحليلات العلمية أظهر أن التدخين ما يزال أكثر خطورة بكثير.
فلكل 100 ألف شخص:
* قد يموت 190 شخصاً سنوياً بسبب آثار الجلوس الطويل
* بينما قد يموت 2000 شخص بسبب التدخين الشديد
ولهذا، يؤكد الخبراء أن الجلوس الطويل ضار، لكنه لا يوازي خطورة التدخين.
هل تكفي الرياضة لتعويض الجلوس الطويل؟
رغم أن ممارسة الرياضة تساعد بشكل واضح، فإنها لا تلغي بالكامل آثار الجلوس الطويل.
ويقول دياز:
«حتى إذا كنت تمارس الرياضة، فإن كمية الجلوس ما تزال تؤثر في خطر الإصابة بالأمراض. لكن من دون الرياضة، سيكون الوضع أسوأ بكثير».
ومع ذلك، تشير الدراسات إلى أن حتى التغييرات البسيطة قد تساعد.
ففي دراسة شارك فيها دياز عام 2019، ارتبط استبدال:
30 دقيقة من الجلوس
بـ 30 دقيقة من النشاط الخفيف
بانخفاض خطر الوفاة بنسبة 17%.
أما النشاط المتوسط إلى الشديد، فارتبط بانخفاض الخطر بنسبة 35%.
هل الوقوف طوال اليوم هو الحل؟
يشير الخبراء إلى أن الحل ليس استبدال الجلوس بالوقوف المستمر.
فالوقوف لفترات طويلة قد يسبب:
* آلام الظهر
* تجمع الدم في الساقين
لكن الوقوف يبقى وسيلة مفيدة لكسر فترات الجلوس الطويلة.
ويقول دياز:
«الهدف ليس ألا تجلس طوال اليوم، أو ألا تقف طوال اليوم، أو أن تتحرك طوال اليوم، بل أن تفعل كل شيء باعتدال».
كيف نقلل أضرار الجلوس؟ أخذ استراحات للحركة!
أظهرت دراسة صغيرة عام 2023 أن أخذ استراحة حركة لمدة خمس دقائق كل 30 دقيقة من الجلوس ساعد على:
* تحسين ضغط الدم
* تحسين التحكم بسكر الدم
كما أن الحركة لخمس دقائق كل ساعة ساعدت أيضاً في:
* تحسين المزاج
* تقليل التعب
أضف الحركة إلى روتينك اليومي
ينصح الخبراء بإضافة الحركة إلى العادات اليومية، مثل:
* المشي بعد مكالمات العمل
* صعود الدرج
* المشي أثناء المكالمات الهاتفية
* ضبط منبه يذكّرك بالحركة
* استخدام ساعة أو سوار رياضي للتذكير بالنشاط
كما قد تساعد الاجتماعات أثناء المشي أو فترات الحركة القصيرة المتكررة في تقليل وقت الجلوس الإجمالي.
مكاتب الوقوف قد تساعد
إذا كان ذلك متاحاً، قد يساعد استخدام مكتب قابل للتعديل يسمح بالتبديل بين الجلوس والوقوف.
وقد ربطت دراسات هذه المكاتب بتحسن:
* آلام الظهر والرقبة
* الإنتاجية
* الشعور بالاندماج في العمل
كما توجد خيارات أخرى مثل:
* مكاتب المشي
* مكاتب الدواسات
الخلاصة
لا يرتبط ضرر الجلوس الطويل بآلام الظهر فقط، بل تشير الأبحاث إلى أنه قد يؤثر في صحة القلب والأوعية الدموية والتمثيل الغذائي وحتى طول العمر.
ورغم أن ممارسة الرياضة مهمة، فإن الخبراء يؤكدون أن الحركة المنتظمة خلال اليوم وتقليل فترات الجلوس الطويلة يبقيان جزءاً أساسياً من الحفاظ على الصحة.

