صحيفة الرأي العام – سورية
سياسة عربي

تصاعد أزمة المُسيّرات | العراق للخليجيين: أعطونا «أدلّة تقنية واستخباراتية»

أطراف إقليمية تستثمر الهجمات لإجبار بغداد على التشدّد مع الفصائل (من الويب)

أطراف إقليمية تستثمر الهجمات لإجبار بغداد على التشدّد مع الفصائل (من الويب)

تواجه الحكومة العراقية اختباراً أمنياً وسياسياً في علاقاتها مع دول الخليج، في ظلّ تصاعد الاتهامات من قبل الأخيرة بانطلاق هجمات بطائرات مُسيّرة من الأراضي العراقية في اتجاه السعودية والإمارات، والتهديدات الضمنية بتعليق مسار الانفتاح الاقتصادي والاستثماري على بغداد.

وكانت أبو ظبي قد زعمت أن المُسيّرات التي استهدفت محيط محطة «براكة» النووية انطلقت من العراق، فيما تحدّثت الرياض أيضاً عن اعتراض مُسيّرات دخلت أجواء المملكة قادمة من الأراضي العراقية. كذلك، صدر بيان مشترك عن السعودية والإمارات وقطر والأردن، يطالب الحكومة العراقية بـ«التحرّك الفوري لوقف الهجمات التي تنفّذها جماعات مسلّحة مرتبطة بإيران».
وفي محاولة لاحتواء الأزمة سريعاً، عقد المجلس الوزاري للأمن الوطني اجتماعاً طارئاً برئاسة الزيدي، أُعلن خلاله تشكيل لجنة تحقيق خاصة، مع توجيه وفدَين أمنيَّيْن رفيعَي المستوى إلى السعودية والإمارات للحصول على المعلومات الفنية والاستخباراتية المتعلّقة بمسارات المُسيّرات ومواقع انطلاقها. كما أكّدت الحكومة العراقية، في بيانات متتالية، أنها «لن تتهاون» مع أيّ جهة يَثبت تورّطها في استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على دول الجوار. لكنّ اللافت في الموقف العراقي، وفق مصادر أمنية وسياسية، أن بغداد طلبت بشكل واضح من العواصم الخليجية تقديم «أدلّة تقنية واستخباراتية» تثبت أن المُسيّرات انطلقت فعلاً من داخل العراق، وهو ما يعكس، بحسب مراقبين، محاولة حكومية لتجنّب التجاوب مع اتهامات غير موثّقة قد تدفع نحو صدام داخلي، أو تفتح الباب أمام توتّرات سياسية وأمنية أوسع.

عدم تبنّي الفصائل العراقية أيّ هجمات على الخليج يطرح شكوكاً في مصدر المُسيّرات


وأكّد مصدر أمني عراقي رفيع المستوى، لـصحيفة «الأخبار» اللبنانية، أن «الأجهزة الأمنية العراقية بجميع تشكيلاتها وقياداتها الرفيعة تواصل تحقيقاتها المكثّفة لمعرفة الجهة التي تقف خلف الهجمات»، معتبراً أن «عدم تبنّي أيّ فصيل للعملية حتى الآن يثير الكثير من علامات الاستفهام، خصوصاً أن الفصائل الكبرى عادة ما تتبنّى عملياتها بشكل واضح، وذلك عندما تكون جزءاً من رسائل سياسية أو عسكرية مُعلنة». وكشف أن «الترجيحات الأمنية الأولية تشير إلى احتمال تورّط مجموعات صغيرة أو أفراد مرتبطين بفصائل غير بارزة، يتحرّكون بصورة منفردة أو شبه مستقلّة، بهدف الانخراط في التصعيد الإقليمي القائم، ومحاولة جرّ العراق إلى قلب المواجهة الدائرة في المنطقة».
من جهته، رأى الخبير الأمني، معد محمد، أن «عدم تبنّي الفصائل العراقية المسلحة للهجمات الأخيرة يحمل دلالات مهمة»، معتبراً، في حديث إلى «الأخبار»، أن «الفصائل التقليدية تدرك حساسية المرحلة الحالية، خصوصاً مع وجود حكومة جديدة تحاول بناء علاقات متوازنة مع الخليج». ورأى أن «طلب العراق أدلّة من السعودية والإمارات ليس موقفاً دفاعياً فقط، بل محاولة لإدارة الأزمة وفق السياقات القانونية والأمنية، لأن الحكومة لا تستطيع اتخاذ إجراءات واسعة من دون معلومات استخباراتية دقيقة، خاصة في ظلّ الطبيعة المُعقّدة للحدود الصحراوية، وإمكانية استخدام منصّات إطلاق متنقّلة أو مناطق نائية يصعب رصدها».

وفي الاتجاه نفسه، شكّك الباحث السياسي، إبراهيم السراج، في خلفية التصعيد الخليجي، ذاهباً إلى أن «بعض الأطراف الإقليمية تستثمر هذه الهجمات للضغط على بغداد سياسياً وإجبارها على اتخاذ مواقف أكثر تشدّداً تجاه الفصائل المسلّحة والقوى القريبة من إيران». ورأى السراج، في حديث إلى «الأخبار»، أن «العراق تحوّل، بعد الحرب الأميركية – الإيرانية الأخيرة، إلى ساحة ابتزاز سياسي متبادل، وهناك دول تحاول استغلال حاجة بغداد إلى العلاقات الاقتصادية والاستثمارات الخليجية من أجل فرض شروط سياسية وأمنية جديدة»، مشيراً إلى أن «الحديث عن مئات الهجمات المنطلقة من العراق خلال الأسابيع الماضية لم يُدعّم حتى الآن بأدلة مُعلنة للرأي العام».
وعلى الرغم من ذلك، تدرك الحكومة العراقية أن استمرار هذه الاتهامات قد ينعكس بصورة خطيرة على خططها الاقتصادية، ولا سيما أن بغداد كانت قد اتّجهت، خلال السنوات الأخيرة، نحو توسيع الشراكات مع عواصم الخليج في مجالات الطاقة والاستثمار والنقل والمشاريع الصناعية. وفي السياق، أكّد المستشار السياسي للحكومة العراقية، فادي الشمري، لـ«الأخبار»، أن «العراق يمتلك خطة واضحة لإعادة ترميم آثار الحرب الأخيرة وتداعياتها السياسية والاقتصادية»، مشيراً إلى أن «الحكومة خلال السنوات الخمس الماضية مضت بخطوات عملية لإنضاج العلاقات مع دول الجوار، ولا سيما الخليج». ولفت إلى أن «الحرب الأخيرة أربكت الساحة الدولية بالكامل، وليس المنطقة فقط. ولذلك، فإن الحكومة الحالية عازمة على ترميم التداعيات والحفاظ على سياسة الانفتاح والتشبيك الاقتصادي»، معتبراً أن «الاقتصاد يمثّل المفتاح الحقيقي لمعالجة الأزمات الحالية وبناء علاقات مستقرّة بين العراق ودول الجوار».