
أظهرَ المونديال الأميركي فشلاً ذريعاً في التنظيم وتسيير الأمور اللوجستية
مشكلات كثيرة تُعاني منها نسخة كأس العالم 2026 لكرة القدم الجارية في الولايات المتحدة الأميركية وكندا والمكسيك. ورغم انتهاك بلاد العم سام تحديداً لحقوق الإنسان في أكثر من موقف، لم تلقَ البطولة كمية الانتقادات التي نالتها قطر في 2022، علماً أنّ الكوارث الأميركية تفوق معضلات مونديال الدوحة بأضعاف
فمنذ الإعلان عن فوز قطر بحق تنظيم كأس العالم، شكّلَ «مونديال 2022» مادةً دسمة في الأوساط السياسية والكروية، مع تصويب الإعلام الغربي تحديداً أقلامه على الدوحة بدءاً باتهامات رشاوى، ومروراً بادعاء عدم ملاءمة حجم وطقس البلد «الحديث التأسيس» بالبطولة المنتظرة كل 4 سنوات.
تصاعدت الإدانات مع توالي السنوات، ووصلت أوجَها عند اتهام قطر بانتهاك حقوق الإنسان وتضييقها على المثليين ومنعها المشروبات الكحولية أثناء سَير البطولة. وللتعبير عن الاعتراض، رفضت بعض المؤسسات الإعلامية العريقة نقل بث حفل الافتتاح، كما اعترضَ بعض اللاعبين بطرقٍ مختلفة منها حركة «الأفواه المكممة» التي قامَ بها لاعبو منتخب ألمانيا، وهو ما اعتبره البعض هجوماً ممنهجاً على قطر باعتبارها دولة عربية/إسلامية تستضيف البطولة للمرة الأولى. لم تقتصر الانتقادات على سياسات محددة، بل تم تصوير ثقافة قطر وتقاليدها وحتى قيمها الدينية على أنها عقبات أمام الحداثة، مع حثّها على الامتثال للمعايير والأعراف الاجتماعية التي تعكس التفضيلات الغربية.
قامَ الغرب بتبرير الانتهاكات الأميركية لحقوق الإنسان
وركّزَ الغرب حملته على الظروف الصعبة التي عاشها العمّال قبل وأثناء وبعد المونديال، إن كان على صعيد سوء نظام «الكفالة»، أو الأجر المنخفض، أو «ادعاء» مقتل عدد كبير من العمال نتيجة المصاعب المرفقة بالأشغال. من جهتها، نفت الدوحة تلك الادّعاءات ولم تعترف اللجنة العليا القطرية إلا بثلاث حالات وفاة مرتبطة مباشرةً ببناء المنشآت. أما رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو، فقد دافعَ عن قطر مندّداً بـ«تاريخ الفظائع في أوروبا منذ 3000 عام» ومطالباً بـ«الاعتذار في جميع أنحاء العالم للثلاثة آلاف عام المقبلة قبل إعطاء دروس أخلاقية للناس».
مونديال كارثي
مرّت الأيام ودارت العجلة. وبعد مرور 4 سنوات على أحد أفضل النسخ تنظيماً في كأس العالم -إن لم تكن الأفضل إلى جانب مونديال روسيا-، استضافت كندا والمكسيك والولايات المتحدة كأس العالم 2026. وفي غضون أسبوعٍ واحد، أظهرَ المونديال الأميركي فشلاً ذريعاً في التنظيم وتسيير الأمور اللوجستية، بأضعاف «المشكلات» التي شهدها المونديال القطري، مع تصويب إعلامي أقل، مما أثار تساؤلات حول ازدواجية المعايير.
فقبل انطلاق الحدث، زادَ الجدل حول معاملة الحكومة الأميركية السيئة للجماهير واللاعبين ومسؤولي «فيفا» في الولايات المتحدة، فضلاً عن مخاوف مستمرة بشأن انتهاكات حقوق المهاجرين. وظهرت أبرز معالم التضييق الأميركي عبر رفض دخول عمر أرتان، الحكم الصومالي المُعيّن من قِبل «فيفا»، إلى الولايات المتحدة، مع رفض تأشيرات دخول عدد من المسؤولين والموظّفين الإيرانيين.
وخضعَ المهاجم العراقي أيمن حسين أيضاً للاستجواب لمدة سبع ساعات في مطار أوهير بشيكاغو، توازياً مع مواجهة آلاف المشجعين من جميع أنحاء العالم قيوداً ورفضاً وتكاليف باهظة (تذاكر وإقامة ومواصلات…) حالت دون دخولهم إلى الولايات المتحدة، وهو ما يتناقض مع بطولات كأس العالم السابقة التي شهدت تخفيفاً حكومياً لقوانين الهجرة المعتادة بهدف تسهيل دخول المشجعين.
ورغم هذا كله، يبدو أنّ الجزء الأكبر من وسائل الإعلام والاتحادات الكروية والسياسيين الغربيين غير مستعدين لإخضاع الولايات المتحدة لمستوى النقد نفسه الذي وجّهوه إلى قطر، بل قاموا بتبريره أيضاً، حيث وصفوا رفض التأشيرات وقيود الدخول وغيرها من الإجراءات التي تندرج تحت إطار انتهاكات حقوق الإنسان، بأنها «تدابير أمنية روتينية»، وهو ما يكشف عن نمط انتقائي يعكس النفاق الغربي بأبشع صورة.

