25.4 C
دمشق
2024-06-16
صحيفة الرأي العام – سورية
عربي غير مصنف

«العدل الدولية»: حُكم الحدّ الأدنى من الإدانة للمجازر الصهيونيةبلقى تقييمات مختلفة

تقرير إخباري إعداد أحمد بدور

سخط إسرائيلي وترحيب فلسطيني - جنوب أفريقي: «العدل الدولية» تدين إسرائيل ولا تزجرها

يعتبر قرارمحكمة العدل الدولية الذي صدر أول أمس ضدّ الكيان الصهيوني بادرة ايجابية لكنه في الوقت نفسه يشكّل بداية مسار قضائي طويل قد يستمر لسنوات. وعلى هذا الكيان وضع تقرير في غضون شهر ستحيله المحكمة لاحقاً الى مندوبي جنوب إفريقيا وتستمع إلى ملاحظاتهم بشأن مدى الالتزام بتنفيذ «الإجراءات المؤقتة».

لكن قرار المحكمة لا يشير إلى الخطوات العملية التي يأمر الكيان بأن يتّخذها. فالقرار يطلب منه منع قتل، ومنع التسبّب بضرر جسدي أو نفسي خطير للفلسطينيين كشعب، من دون أن يطلب وقف العمليات العسكرية في قطاع غزة المحاصر، حيث يُحشر أكثر من مليونَي شخص في 360 كيلومتراً مربعاً.

ويأمر القرار الكيان بتدابير «فورية وفعّالة» لإدخال المساعدات الإنسانية الى غزة، بينما كانت منظمة الصحة العالمية والهيئات الإنسانية الدولية قد أشارت في تقاريرها إلى صعوبة، بل استحالة، نقل المساعدات والمؤن الغذائية والأدوية والمحروقات إلى جميع أرجاء قطاع غزّة تحت القصف.

ومن ايجابيات المحكمة أنها ردّت طلب الكيان رفض الدعوى المقامة ضدّه، وهذه خطوة قانونية متقدّمة للشعب الفلسطيني، وإن كان مسار الدعوى سيأخذ وقتاً طويلاً. لكن ما تحقّق يوم 26 كانون الثاني هو إحالة الكيان «كدولة» للمساءلة القضائية ووضعه في قفص الاتهام. وهذا أمر كاد أن يكون من المستحيلات، لكنه تبيّن أنه ممكن، وليس ضرباً من الخيال.
تنصّ المادة 41 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية على الآتي: «1- للمحكمة أن تقرّر التدابير المؤقتة التي يجب اتخاذها لحفظ حقّ كل من الأطراف، وذلك متى رأت أن الظروف تقتضي بذلك. 2- إلى أن يصدر الحكم النهائي، يُبلّغ فوراً أطراف الدعوى ومجلس الأمن نبأ التدابير التي يرى اتخاذها».
وتُعدّ التدابير المؤقتة إجراءات غير نهائية تُرتّب آثارها في الفترة السابقة لصدور الحكم النهائي في الدعوى. لذلك يمكن للمحكمة أن تقوم بإلغائها أو تعديلها في أي وقت، إذا تغيرت الظروف التي برّرت وجودها. وتشير المحكمة إلى أن أوامرها المتعلّقة بالتدابير المؤقتة بموجب المادة 41 من النظام الأساسي، لها أثر ملزم وتُنشئ بالتالي التزامات قانونية دولية على أي طرف تُوجّه إليه التدابير المؤقتة. لكن المحكمة ليس لديها القوة التنفيذية لأحكامها الملزمة. وبناءً على نصّ المادة 41، تقوم المحكمة بإبلاغ مجلس الأمن بقرار أمر التدابير المؤقتة، ولمجلس الأمن السلطة التقديرية في اختيار الإجراءات المناسبة لتنفيذ التدابير المؤقتة. على أنه قد يلجأ صاحب المصلحة في تنفيذها إلى مجلس الأمن للمطالبة بإصدار قرار يضمن تنفيذها، ما يعني أنه في حال امتناع الكيان عن تنفيذ القرار – وهو المتوقع منه – فلجنوب إفريقيا الحق في مطالبة مجلس الأمن بإصدار قرار لتنفيذ التدابير المؤقتة. وهنا من المتوقّع أن تستخدم الولايات المتحدة حق النقض، ولكن أيضاً قد تمتنع عن التصويت لأن مشروع القرار يكون مبنياً على حكم قضائي، لا على اعتبارات سياسية. عندها يمكن أن يصدر القرار عن مجلس الأمن بإلزام الكيان بتنفيذه مع وجود احتمال أيضاً بعدم التزامه بالقرار (أسوة بقرارات سابقة عن مجلس الأمن لم يلتزم بها).

وفي حال استخدام الولايات المتحدة حق النقض أو في حال امتناع الكيان عن التنفيذ، يمكن لجنوب إفريقيا، ومعها المجموعتان العربية والإسلامية والدول الداعمة لوقف إطلاق النار، اللجوء إلى الجمعية العامة بموجب قرار «الاتحاد من أجل السلام»، كما فعلت سابقاً بخصوص القرارين السابقين لوقف إطلاق النار. وعلى الأرجح أن هذه المرّة سيحصل القرار بوقف إطلاق النار على أغلبية ساحقة من قبل الدول الأعضاء، وقد لا يقتصر مضمون قرار الجمعية العامة هذه المرّة على مجرّد وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات، بل قد يُلزم الكيان بتنفيذ ما ورد في التدابير المؤقتة مع تصعيد إجرائي «عقابي» يتمثّل بمنع توريد الأسلحة، وقطع العلاقات الاقتصادية والديبلوماسية، وقد يصل الأمر إلى حد تعليق عضوية الكيان في الأمم المتحدة أو التهديد بذلك، وخصوصاً أن محكمة العدل الدولية أكدت أن منع الإبادة والمعاقبة عليها، هي مسؤولية كل الدول، وعليها تحمّل مسؤوليتها إزاء ما يجري من أعمال قتل وتشريد وتجويع كلّها تدخل في نطاق الاتفاقية الدولية لمنع الإبادة والمعاقبة عليها. وسيُترجم تراخي الدول في اتخاذ إجراءات فعلية لمنع الأفعال التي قد ترقى إلى جريمة إبادة، إلى ما يصل إلى اشتراك أو تحريض ستُساءل عليه في المستقبل القريب، لذا على الدول أن تتّخذ مواقف متقدّمة تتناسب مع موقف محكمة العدل الدولية، كانضمام الدول المؤيدة لحماية الفلسطينيين إلى الدعوى بصفة «متدخّل»، كما حدث في قضيتَي غامبيا ضد ميانمار وأوكرانيا ضد روسيا.

لماذا لم تفرض المحكمة وقفاً لإطلاق النار؟

لم تلتزم المحكمة تماماً بما طلبته جنوب إفريقيا من تدابير مؤقتة، وخصوصاً في ما يتعلق بالوقف الفوري للعمليات العسكرية. وجاء قرار التدابير المؤقتة مطابقاً للقرار الذي صدر في دعوى غامبيا ضد ميانمار. وتبيّن أن الحجّة القانونية التي اتخذها القضاة لعدم فرض وقف العمليات العسكرية للجيش الصهيوني في غزة، هي أن العمليات العسكرية في غزة ليست بين دولتين، كما هي الحال بين أوكرانيا وروسيا، حيث كانت المحكمة قد أمرت عام 2022 بتدابير مؤقتة في دعوى أوكرانيا ضد روسيا، بوقف العمليات العسكرية من الجانب الروسي، وأيضاً طلبت من الطرفين الامتناع عن القيام بأي عمل قد يؤدي إلى تفاقم النزاع أو تمديده أو يجعل حلّه أكثر صعوبة. أما في دعوى غامبيا ضد ميانمار، فقد صدر أمر التدابير المؤقتة في 2020، ليطلب من ميانمار منع ارتكاب جرائم الإبادة المنصوص عليها في المادة الثانية من اتفاقية منع الإبادة، ولم يطلب منها وقف العمليات العسكرية. فحكومة ميانمار استخدمت القوة العسكرية في نزاع داخلي ضد مجموعات مسلحة من أقلية الروهينغا، وهنا ليس للمحكمة الحق في دعوة أطراف نزاع داخلي إلى وقف العمليات العسكرية، ولكن بإمكانها أن تطلب من الدولة أن تراعي أحكام القانون الدولي الإنساني والتزاماتها الدولية المتعلّقة بمنع الإبادة الجماعية. فالمحكمة لا تستطيع أن تخاطب مجموعات مسلحة لأن ذلك يخرج عن نطاق صلاحياتها، فهي تخاطب فقط الدول. لذلك فهي لا تستطيع، من وجهة نظر قانونية، أن تأمر دولة بأن توقف العمليات العسكرية من جانب واحد، بينما الجانب الآخر يستمر في القتال.


ما هي «التدابير المؤقّتة» المطلوبة من العدو؟

قدّمت جنوب أفريقيا طلباً لإقامة دعوى ضد الكان أمام محكمة العدل الدولية في 29 كانون الأول 2023 بشأن انتهاكات من جانب الكيان لالتزاماته بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وتضمّن الطلب أيضاً اتخاذ تدابير مؤقّتة. صدر أمس عن المحكمة، بعد مرور أسبوعين من الاستماع لأطراف الدعوى في 11 و12 من الشهر الجاري، قرار بفرض «تدابير مؤقّتة» وهي:
أولاً: تتّخذ دولة “إسرائيل”، وفقاً لالتزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، في ما يتعلق بالفلسطينيين في غزة، جميع التدابير التي في وسعها لمنع ارتكاب جميع الأعمال التي تدخل في نطاق المادة الثانية من هذه الاتفاقية، ولا سيما: قتل أعضاء المجموعة، التسبب في ضرر جسدي أو نفسي خطير لأعضاء المجموعة، تعمّد إخضاع المجموعة لظروف معيشية يُقصد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً، وفرض تدابير تهدف إلى منع الولادات داخل المجموعة.
ثانياً: تضمن دولة “إسرائيل”، بأثر فوري، عدم ارتكاب جيشها أي أعمال موصوفة في النقطة 1 أعلاه.
ثالثاً: تتّخذ دولة “إسرائيل” جميع التدابير التي في وسعها لمنع ومعاقبة التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية في ما يتعلق بأعضاء المجموعة الفلسطينية في غزة.
رابعاً: تتّخذ دولة “إسرائيل” تدابير فورية وفعّالة للتمكين من توفير الخدمات الأساسية والمساعدة الإنسانية التي تمسّ الحاجة إليها لمعالجة ظروف الحياة الصعبة التي يواجهها الفلسطينيون في قطاع غزة.
خامساً: تتّخذ دولة “إسرائيل” تدابير فعّالة لمنع التدمير وضمان الحفاظ على الأدلة المتعلقة بادّعاءات ارتكاب أعمال تدخل في نطاق المادة الثانية والمادة الثالثة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها ضد أفراد المجموعة الفلسطينية في قطاع غزة.
سادساً: تقدّم دولة “إسرائيل” تقريراً إلى المحكمة عن جميع التدابير المتّخذة لتنفيذ هذا الأمر في غضون شهر واحد من تاريخ هذا الأمر.

مواقف وردود مختلفة

وكما كان متوقّعاً، وعلى وقع تعاطف دولي لافت جلّته الوقفات التضامنية الحاشدة مع الشعب الفلسطيني أمام مقر «محكمة العدل الدولية»، قوبل قرار الهيئة القضائية الدولية الأرفع، في القضية المرفوعة أمامها ضدّ الكيان، بردود فعل متفاوتة، راوحت بين الخيبة والأمل، علماً أن الولايات المتحدة كانت استبقت القرار، بالزعم أن الدعوى «لا أساس لها»، وأن «من شأنها أن تؤتي نتائج عكسية». وفي قرارها الأوّلي عقب النظر في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا، وتتّهم فيها إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أكّدت «العدل الدولية» أن على حكومة الاحتلال، وبصورة «فورية»، أن تبادر إلى «اتخاذ جميع الإجراءات التي في وسعها لمنع ارتكاب جميع الأفعال الواقعة ضمن نطاق المادة الثانية من اتفاقية الإبادة الجماعية».

وصوّتت لجنة المحكمة، بإجماع أعضائها، على حقّ المدنيين في قطاع غزة في الحماية من أعمال الإبادة الجماعية، مؤكّدة توافر الشروط القانونية اللازمة التي تتيح لها دعوة الكيان إلى الالتزام بالتدابير المؤقّتة الواردة في مرافعة الفريق القانوني الممثِّل لجنوب أفريقيا.كما أكّدت «العدل الدولية» أن لديها صلاحية للحكم في القضية، وأنه «لا يمكن قبول طلب إسرائيل ردّها»، ذلك أن لكل الأطراف الموقّعة على «معاهدة منع الإبادة الجماعية» الحقّ في مقاضاة الأطراف الأخرى، في حال ارتكابها انتهاكات ما، جازمةً أن الطلب الجنوب أفريقي مطابق لسوابق مشابهة سبق أن عُرضت على المحكمة – في إشارة إلى حالات مماثلة في البوسنة وميانمار وأوكرانيا -، ومنسجم مع ما ورد في المادتَين السابعة والتاسعة من ميثاق المحكمة.

وفي مستهلّ الجلسة، قالت رئيسة «العدل الدولية»، القاضية جوان دونوغو، إن محكمتها تدين «الحملة الإسرائيلية التي أدّت إلى مقتل نحو 25 ألفاً، وإصابة نحو 60 ألفاً، وتهجير عدد كبير من المدنيين الفلسطينيين»، مستدركة بالقول إن المحكمة لن تتّخذ الآن قراراً حول «وقوع الإبادة الجماعية من عدمها، وإنّما ستتّخذ قراراً حول إمكانية حدوث الإبادة». وعلى رغم إقرارها بأن التدابير المؤقّتة التي يجب اتّخاذها ليست بالضرورة مماثلة للتدابير التي طلبتها جنوب أفريقيا، شدّدت القاضية الأميركية على ضرورة إلزام الكيان قواته العسكرية فوراً بعدم ارتكاب أيٍّ من الجرائم المنصوص عليها في «اتفاقية منع الإبادة الجماعية»، ومنها القتل العمد.
وفي معرض مطالبتها حكومة الاحتلال باتّخاذ تدابير فورية وعاجلة لتحسين الوضع الإنساني، وضمان توفير الإمدادات الإغاثية لسكان غزة، ووقف التدمير الذي تمارسه في القطاع، استندت المحكمة إلى بيانات «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» (أونروا)، إضافة إلى ما تضمّنته دعوى جنوب أفريقيا من تقارير حقوقية وتصريحات لمسؤولين أمميّين. كذلك، توقّفت المحكمة، في قرارها، عند قلق جهات حقوقية ودولية مستقلّة من خطاب الكراهية الصهيوني بحقّ الفلسطينيين، بخاصة المواقف الموثّقة لقادة ومسؤولين في تل أبيب، كتشبيه وزير حرب الاحتلال، يوآف غالانت، الفلسطينيين بـ«الحيوانات البشرية»، معتبرة أن تلك المواقف تُعدّ كافية لاعتبار «المزاعم» الواردة في دعوى جنوب أفريقيا معقولة.

مواقف مرحّبة واستنكار صهيوني

فور الإعلان عن القرار، ساق وزير الأمن القومي الصهيوني، إيتمار بن غفير، جملة اتهامات لـ«العدل الدولية»، ومن بينها اعتبار المحكمة «معادية للسامية»، والزعم أن عملها «لا يهدف إلى تحقيق العدالة». في المقابل، أعربت جنوب أفريقيا عن ارتياحها، مبديةً ترحيبها بدعوة الكيان إلى الالتزام بتطبيق الإجراءات المؤقّتة التي نادت بها بريتوريا. ووصفت وزيرة خارجية جنوب أفريقيا، ناليدي باندور، الحكم بأنه «انتصار حاسم لسيادة القانون»، عادّةً إياه «منعطفاً مهمّاً في البحث عن العدالة للشعب الفلسطيني».

فلسطينيا رحّب وزير الخارجية الفلسطيني، رياض المالكي، بالإجراءات التي طالبت بها المحكمة، داعياً جميع الدول إلى ضمان تنفيذها، وحثّ الكيان على احترامها. أيضاً، وأعربت حركة «حماس» عن رضاها على القرار، مشيرةً إلى أنه «يعني وقف كل أشكال العدوان» على الشعب الفلسطيني، مع تأكيدها تطلُّعها إلى ما وصفته بـ»القرارات النهائية للمحكمة بإدانة دولة الاحتلال بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية والجرائم ضدّ الإنسانية».

وأيّدت وزارة الخارجية السعودية ما صدر عن «العدل الدولية»، مؤكّدة «رفضنا القاطع لممارسات الاحتلال الإسرائيلي». وكذلك الأمر بالنسبة إلى قطر، التي رحّبت وزارة خارجيتها بالقرار، وعدّته «انتصاراً للإنسانية وسيادة حكم القانون»، معتبرةً أن «صدور الحُكم بأغلبية ساحقة يعكس حجم خطر الإبادة الجماعية المحدق بالفلسطينيين».

ثمّة مَن يرى أنّ قرار المحكمة لا يرقى إلى مستوى التطلّعات، ولا سيما أنه لم يطلب من إسرائيل وقف كلّ الأعمال العسكرية

ومع ذلك ثمّة مَن يرى أنّ قرار المحكمة لا يرقى إلى مستوى التطلّعات، ولا سيما أنه لم يطلب من الكيان وقف كلّ الأعمال العسكرية، على غرار ما صدر عنها في حالة أوكرانيا. ومع ذلك، يشير خبراء في القانون الدولي إلى أنّ القرار ينطوي على «هزيمة قانونية وسياسية» لتل أبيب، وإنصاف لا لبس فيه للشعب الفلسطيني، خصوصاً أنه رفض كلّ الذرائع التي دفع بها الفريق القانوني الصهيوني، سواء في سعيه إلى إنكار التهم الموجّهة إلى «دولته»، وتصوير الحرب في غزة على أنها «دفاع عن النفس»، أو في محاولته الطعن في صلاحية المحكمة. كما أن القرار يرتّب مسؤوليات سياسية و«أخلاقية» على حلفاء الكيان الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، إذ إنه ينطوي على إدانة صريحة لكيان الاحتلال، ويحمل دعوة للجيش الصهيوني إلى وقف كلّ الانتهاكات وضمان وصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق، وهو أمر يتطلّب ضمناً توقّف العمليات العسكرية الصهيونية في قطاع غزة. والجدير ذكره، هنا، أن إحدى المحاكم في الولايات المتحدة شرعت بالفعل في النظر في دعوى قضائية تقدَّمت بها منظّمات حقوقية ضدّ مسؤولين في الإدارة الأميركية، من بينهم وزير الدفاع لويد أوستن، بتهمة التواطؤ في ارتكاب جرائم إبادة جماعية بحقّ الفلسطينيين.
وفي تفسيره عدم دعوة المحكمة إلى وقف إطلاق النار، احتمل قانونيون غياب الإجماع بين قضاتها الـ15 (إلى جانب ممثّل لكلّ من جنوب أفريقيا وإسرائيل) على تبنّي هذا الإجراء، وبالتالي تفضيلهم تخفيف لهجة القرار للحفاظ على الإجماع في ما بينهم. ويعود ذلك إلى جملة اعتبارات قانونية منها ما يتعلّق بوجود صلاحيات حصرية لمجلس الأمن الدولي في التعامل مع حالات العدوان، ومنها ما يتّسق مع «الطبيعة الاستثنائية اللامتماثلة» بين الجانبين الفلسطيني والصهيوني، خلافاً لحالات النزاع المألوفة بين جيشَيْن تقليديَّيْن، كما هو الحال بين روسيا وأوكرانيا. إلا أن آخرين لمّحوا إلى وجود خلفية سياسية لبعض ما تضمّنه قرار «العدل الدولية»، ولمسوا مؤشرات إلى وجود ضغوط دولية تعرّضت لها المحكمة، وتحديداً لناحية إمهال إسرائيل شهراً كاملاً لتنفيذ ما ورد في قرارها، وليس أسبوعاً، كما تطالب جهة الادّعاء.
وفي تعليقها على ذلك، رأت صحيفة «نيويورك تايمز» أن القرار يفتقد إلى «الإجراء الأقصى والأكثر صرامة، الذي انتظرته جنوب أفريقيا»، معتبرةً أن اكتفاء القضاة بدعوة الكيان إلى الالتزام بـ«تدابير مؤقّتة» يعادل أمراً قضائياً، وقد جاء متوافقاً مع ما توقّعه معظم الخبراء القانونيين.

وفي هذا الإطار، قالت الأستاذة في جامعة «كوليدج لندن»، كيت كرونين فورمان، في حديث إلى الصحيفة: «لا أعتقد أن أحداً توقّع منهم أن يأمروا بوقف إطلاق النار». وتابعت الباحثة المتخصّصة في الدراسات القانونية حول جرائم الإبادة الجماعية وحقوق الإنسان: «لقد التزموا بشدّة بما فعلوه في أمر الإجراءات المؤقّتة ضدّ ميانمار»، في إشارة إلى قضية أخرى منظورة أمام المحكمة، حيث اتهمت غامبيا، ميانمار، بارتكاب إبادة جماعية ضدّ أقلية الروهينغا.

مواضيع ذات صلة

اترك تعليق