10.4 C
دمشق
2024-02-22
صحيفة الرأي العام – سورية
الافتتاحية

التاريخ يعيد نفسه لكن بمرارة أكبر

الحرب التي تشن على سورية منذ حوالي عشر سنين، يخوضها إرهابيو داعش والنصرة، والإخوان، وغيرهم من المنظمات الإرهابية التكفيرية، يخوضونها ضد الدولة السورية، يخربون العمران، ويقتلون البشر وكالة عن الأعداء الحقيقيين الكثر ورأس حربتهم الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا، وبتمويل ودعم سعودي خليجي، هذه الحرب أصبحت الآن سافرة يخوضها أردوغان مباشرة بلا أقنعة، وبأسلحته وجيشه، وهي حرب ليست فقط ضد الحكومة، أو الرئيس بشار الأسد كما يزعم، بل هي حرب ضد سورية دولةً وكياناً ومجتمعاً، وقد أعلنها أردوغان بوقاحة صارخة:«لا اعترف بالدولة السورية». 

 في خريف 1957، كانت سورية كما هي الآن مهدّدة في صميم وحدتها الداخلية ومكشوفة لضغوط إسرائيلية، تتناهبها انقلابات عسكرية، مهددة بغزو تركي عراقي وشيك، يقوده رئيس الوزراء التركي عدنان مندريس ونظيرة العراقي نوري السعيد، الرجل الذي ارتبط أكثر من غيره بسياسة الأحلاف العسكرية في المنطقة، ورهن العراق بحلف بغداد سيء الذكر. مندريس حشد قواته على الحدود، وهدّد وأنذر باسم حماية سورية، من أن تسقط في يد «الشيوعية الدولية» وهي ذريعة مفضوحة، كما ذريعة أردوغان بحماية أمن تركيا.

 جرى اجتماع في إسطنبول لوزراء خارجية ودفاع ورؤساء أركان جيوش «حلف بغداد» الذي كان يضم عدة دول منها العراق وباكستان وتركيا، عقد الاجتماع للنظر في التدخل العسكري المباشر، فيما كانت واشنطن تُعلن عن شحنات سلاح تحملها طائرات عبر جسور جوية إلى المنطقة، والاتحاد السوفيتي يحذّر من مغبّة أيّ تصرفات عسكرية ضد سورية، ويحرّك أسطوله البحري باتجاه الشواطئ السورية. 

 أ ليس ما يحيط بنا الآن مطابق لما أحاط بسورية في ذلك العام، مع تبدل بسيط بالأداة العربية من نوري السعيد إلى آل سعود وأذنابهم من حكام الخليج!!؟؟، وهو ما يؤكد أن المؤامرة تستهدف الدولة السورية بكيانها وجغرافيتها ومجتمعها..

 السياقات والذرائع الآن اختلفت عمّا كانت عليه في ذلك العام الذي كان قبل الوحدة المصرية السورية، التي تمت في العام التالي، لكنّ شيئاً من ظلال التاريخ لا يزال ماثلاً حتى اليوم. فالأدوار تحكمها تصوّرات وأفكار واستراتيجيات بأكثر من الرجال الذين يمثلونها على مسارح التاريخ، فلاديمير بوتين، الآن، أو نيكيتا خروتشوف عام 1957، رجب طيب أردوغان الآن، أو عدنان مندريس قبل ستة عقود والاثنان يجسدان شخصية السفاح العثماني سليم الأول، الذي احتل الوطن العربي بدءا من سورية، ونفذ أبشع الجرائم وخاصة في حلب، لدرجة أنه تمت تسمية منطقة التلل فيها بهذا الاسم لأن تلالاً جثامين الحلبيين الذين قتلهم بعد احتلال مدينتهم وضعت فيها بالعراء حتى بدون دفنها، وبتمهيد بفتاوى ابن تيمية الطائفية التي تتمظهر الآن بفتاوى الإخوان، وقرضاوي، وحماس وأمثالهم.

لكن الخلاف الجزري الآن عن التاريخ العابر أن سورية في ذلك التاريخ لقيت مساندة عربية حاسمة من الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، الذي أعلن دعمه الكامل لسورية سياسياً وعسكرياً، حيث وصلت فجأة قطع بحرية مصرية إلى ميناء اللاذقية محمّلة بلواءَين كاملَين وأسلحة ثقيلة من المدفعية والمدرعات، ولقيت الهجمة على سورية آنذاك هياجا جماهيريا سورياً ضخما، وتحركاً للأحزاب والقوى التقدمية في الجيش وعلى رأسها حزب البعث العربي الاشتراكي، أدى إلى تحقيق الوحدة مع مصر..

 بينما الآن لم نسمع ولو تأييداً لفظياً لا من حاكم مصر، ولا من أي حاكم عربي، ولا حتى من العراق المهدد بالمطامع التركية والصهيونية كسورية، وما تزال قوات تركية في أراضيه، مع صمت إيراني رغم العلاقات السورية الإيرانية المتينة، وكذلك لم نر هياجا شعبيا، ولن نجد من الأقطار العربية من يستحق حكامه المطالبة بالوحدة معه.

 قد يخطر على بال البعض سؤال: لماذا التآمر على سورية؟. والجواب إنه لم يكن من قبيل البلاغة اللغوية وصف سورية بـ«قلب العروبة النابض»، فبحكم موضعها في المشرق العربي هي عاصمته الطبيعية. وبحكم اتصال الأمن القومي المصري بها، فهي توأمته. وبحكم حدودها مع الكيان الصهيوني، واستهدافها والعرب جميعا بعدوانيته وأطماعه، فهي طرفٌ في صراع وجودي. وبحكم امتداد ساحلها على البحر المتوسط، فهي مركز استراتيجي. وبحكم اتصالها بشبه الجزيرة العربية، حيث موارد النفط، فهي تحت بصر المصالح الغربية.

 لقد أكدت حقائق التاريخ، أن لا عالم عربياً بلا مصر، التي تمثل ثلث كتلته السكانية، ولا نهضة عربية بلا سورية مهما حسنت النيّات والتوجهات -. وما يجب عدم نسيانه أبداً، أن المصير السوري هو شأن كل بلد عربي وكل مواطن عربي يدرك حقائق ما حوله، وخاصة حكام الخليج الأغبياء الذين تستهدفهم العثمانية الجديدة، التي يقودها أردوغان بقدر ما تستهدف سورية. ومن هنا فإن التقدّم العسكري الكبير للجيش العربي السوري، الذي كان يوصف بالجيش الأول في زمن الوحدة، في أرياف حلب وإدلب، يؤشّر على تحوّل جوهري في حسابات القوة، رغم الاعتداءات العسكرية التركية، التي تحاول عرقلة استعادة سورية لأدوارها ووجودها نفسه في قلب العالم العربي، وليس فقط استعادة أرضها من قبضة الإرهاب. وقد كان الإعلان السوري أنّ أول رحلة خارجية من مطار حلب الدولي، الذي أعيد تشغيله بعد تسع سنوات من التوقف الإجباري، سوف تكون إلى القاهرة موفقا، ومحمّلاً بالمعاني الرمزية في ذكرى الوحدة المجهضة، ليت حاكم مصر يعيها مع انه عرضة لتآمر وتهجمات أردوغان والإخوان كما سورية وقيادتها.

 التاريخ أعاد نفسه فعلا، لكن بمرارة أكثر هذه المرة، فالدول المعتدية نفسها والاجتماعات الدولية للتآمر قائمة، لكن تهديد الماضي نفذ حاضراً تدميرا وقتلا وحشيا الآن، والموقف العربي المشرف الذي وقفته مصر بقيادة عبد الناصر، أصبح خمولا وتخاذلا من عدد من الدول العربية، وتآمرا من البقية، وبقيت سورية بجيشها الباسل واقفة الآن وباقتدار، لكن هذه التضحيات الهائلة بالأرواح والعمران تحتاج باعتقادي إلى حماية من الداخل فالمقاتل عندما ينهي مهمته يجب أن يلقى مستوى مقبولا من المعيشة، وأبناء الشهداء وذووهم يستحقون أيضا الدعم المادي وليس المعنوي والخطابي فقط، والمواطن الذي صبر وعانى البرد والجوع والألم على من فقدهم يحتاج إلى اهتمام بمعيشته أكثر مما تقوم به حكومتنا العتيدة، وإلاَّ على ما اعتقد ستكون صعوبات كثيرة ومخاطر كبيرة. 

 والأهم من هذا وذاك هذا الفكر التكفيري السلفي، الذي غسل أدمغة عدد كبير من الشباب، وجعلهم وقودا للمؤامرة باسم الدين، وهو ابعد ما يكون عن هذا الدين الحنيف، هذا الفكر يجب مقاومته بالفكر، وليس بالقوة فقط، وإلاَّ فان الموجة ستعود ولو بعد حين، فعلى ما اعتقد أن من غسلت أدمغتهم منذ عام 2011، كانوا جمرا تحت رماد عام 1982، الذي حاول فيه نفس الفكر ونفس التنظيم أيضا الإجهاز على الدولة في حينه، وبرامجنا التعليمية والتثقيفية الحالية، وبحسب شهادات كل العارفين والمدققين بها قاصرة عن مثل هذه المهمة، وتحتاج إلى إعادة بناء وغربلة لتكون أهلا لمثل هذه المعركة الفكرية المصيرية، فهل نتعلم من التاريخ حتى لا يكرر نفسه بمأسوية أقسى وبمرارة أكبر في المستقبل!!؟؟.

رئيس التحرير

اترك تعليق