
قد لا يقتصر تأثير موجات الحر على الشعور بالتعب والانزعاج، إذ تشير الأبحاث إلى أنها قد تفاقم أعراض 9 حالات صحية مزمنة، من أمراض القلب والسكري إلى الربو والاكتئاب.
إذ لا تقتصر آثار الطقس الحار والرطب على الشعور بالانزعاج أو الإرهاق، فبالنسبة لبعض الأشخاص، قد تتحول موجات الحر إلى عامل يزيد الأعراض سوءاً أو يرفع خطر المضاعفات الصحية.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست»، فإن الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة، مثل أمراض القلب والجهاز التنفسي والأيض والجهاز العصبي، يكونون أكثر عرضة لزيارة أقسام الطوارئ أو الوفاة خلال موجات الحر.
ويقول الباحث في كلية هارفارد تي. إتش. تشان للصحة العامة والمتخصص في دراسة تأثير الحرارة على الفئات الأكثر عرضة للخطر، روبرت ميد، إن بعض المرضى يكونون أكثر قابلية للإصابة بالإجهاد الحراري أو ضربة الشمس لأن أجهزة حيوية في أجسامهم، مثل القلب والكلى والأعصاب، لا تعمل بالكفاءة المثالية.
لكن المشكلة لا تتوقف عند هذا الحد، إذ يمكن للحرارة أن تؤدي أيضاً إلى تفاقم أعراض أمراض موجودة مسبقاً حتى في غياب الإجهاد الحراري أو ضربة الشمس.
التهاب المفاصل والنقرس
تشير الأبحاث إلى أن درجات الحرارة المرتفعة، خصوصاً عندما تترافق مع الرطوبة، قد تزيد الالتهاب لدى المصابين بالتهاب المفاصل، ما يؤدي إلى مزيد من الألم والتورم في المفاصل.
وتوضح المديرة الطبية للرعاية الأولية في مركز موريس هايتس الصحي في برونكس، أرييل بيتي، أن الحرارة والرطوبة قد تجعل أعراض التهاب المفاصل أكثر حدة.
أما بالنسبة للنقرس، فإن الجفاف يمثل مشكلة إضافية، لأنه يؤدي إلى زيادة تركيز حمض اليوريك في الدم، ما يعزز تكوّن البلورات داخل المفاصل ويزيد نوبات الألم.
كما أن الرطوبة قد تؤدي إلى تمدد الأنسجة داخل المفاصل والضغط على البنى المحيطة بها. وأظهرت دراسة أجريت عام 2019 أن الرطوبة كانت العامل المناخي الأكثر ارتباطاً بزيادة شدة الألم لدى أكثر من 2000 شخص يعانون حالات ألم مزمنة، معظمهم مصابون بالتهاب المفاصل.
حصى الكلى ومرض الكلى المزمن
ترتبط درجات الحرارة المرتفعة بزيادة حالات حصى الكلى، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى الجفاف.
فعندما يفقد الجسم السوائل، يصبح البول أكثر تركيزاً بالمعادن القادرة على تكوين الحصى. وعند الأشخاص المعرضين للإصابة بها، قد تنمو الحصوات الصغيرة الموجودة مسبقاً وتتحرك لتسد المسالك البولية، مسببة ألماً شديداً.
ويحذر ميد أيضاً من أن التعرض للحرارة قد يسرّع تراجع وظائف الكلى لدى المصابين بمرض الكلى المزمن، لأن الجسم يوجه كمية أكبر من الدم إلى الجلد للمساعدة على التبريد، ما يترك كمية أقل للأعضاء الداخلية، وخاصة الكليتين.
وتضيف المديرة الطبية لقسم الطوارئ في مستشفى جامعة ديوك، لورين سيويني، أن الكلى لدى المصابين بمرض الكلى المزمن تكون أقل قدرة على تنظيم توازن السوائل، ما قد يؤدي إلى الجفاف أو احتباس السوائل واختلال توازن الشوارد.
الربو ومرض الانسداد الرئوي المزمن
ورغم أن الهواء البارد معروف بقدرته على تهييج المسالك التنفسية، فإن الهواء الحار والرطب قد يكون مزعجاً بالدرجة نفسها لبعض المصابين بالربو أو مرض الانسداد الرئوي المزمن.
وقد سجلت الدراسات ارتفاعاً في زيارات الطوارئ والاستشفاء وتفاقم الأعراض خلال فترات الحر الشديد.
ويُعتقد أن استنشاق الهواء الحار يؤدي إلى تضيق المسالك الهوائية، ما يزيد خطر نوبات الربو أو تفاقم مرض الانسداد الرئوي المزمن.
كما تشير سيويني إلى أن موجات الحر تترافق غالباً مع تدهور جودة الهواء وارتفاع مستويات الأوزون وتكاثر العفن وعث الغبار، وهي عوامل قد تحفز النوبات التنفسية.
الذئبة الحمراء
ولا تزال الأبحاث في هذا المجال محدودة، لكن الأدلة المتاحة تشير إلى أن مرض الذئبة الحمامية الجهازية قد يكون حساساً بشكل خاص للحرارة.
وأظهرت دراسة نشرت عام 2020 أن نوبات الطفح الجلدي وآلام المفاصل واضطرابات الدم لدى 1200 مريض بالذئبة تزامنت مع الأيام الأكثر دفئاً، كما ارتفعت نوبات التهاب المفاصل مع زيادة الرطوبة.
وترى بيتي أن الالتهاب المتزايد الناتج عن الحرارة والرطوبة قد يؤدي إلى تفاقم التورم والألم والتعب لدى المصابين بالمرض.
كما تشير إلى أن كثيراً من مرضى الذئبة يعانون حساسية متزايدة تجاه أشعة الشمس، ما يجعل الحماية من الشمس أمراً أساسياً خلال فصل الصيف.
السكري
ارتبطت الأيام الحارة بارتفاع معدلات دخول المستشفيات لدى المصابين بالسكري من النوعين الأول والثاني، كما ارتبطت موجات الحر بزيادة مخاطر المرض والوفاة المرتبطة بالسكري.
وتوضح سيويني أن الحرارة قد تجعل التحكم في سكر الدم أكثر صعوبة، لأنها قد تؤدي إلى انخفاضه أو ارتفاعه.
فزيادة تدفق الدم واتساع الأوعية الدموية قد يسرعان امتصاص الإنسولين ويسببان انخفاض السكر، بينما قد يؤدي الجفاف إلى زيادة تركيز السكر في الدم وارتفاع مستوياته.
لذلك تنصح المرضى بمراقبة مستويات السكر بصورة أكثر تكراراً خلال فترات الحر.
التصلب المتعدد
يعرف الأطباء منذ سنوات أن ارتفاع حرارة الجسم قد يؤدي إلى تفاقم أعراض التصلب المتعدد، وهو مرض يهاجم فيه الجهاز المناعي الغلاف الواقي للأعصاب.
وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن الحساسية للحرارة، المعروفة باسم «ظاهرة أوتهوف»، تظهر أيضاً خلال الطقس الحار.
فالحرارة قد تعيق انتقال الإشارات الكهربائية عبر الأعصاب المتضررة، ما يؤدي إلى زيادة التعب وضعف العضلات والتنميل والمشكلات الإدراكية.
وتختفي هذه الأعراض عادة بعد تبريد الجسم، ولا تعني حدوث انتكاسة فعلية للمرض.
أمراض القلب
خلال الطقس الحار، يرسل الجسم كمية أكبر من الدم إلى الجلد للمساعدة على تبديد الحرارة، ما يجبر القلب على العمل بجهد إضافي.
ويحذر ميد من أن هذا الأمر قد يشكل مشكلة لدى المصابين بمرض الشريان التاجي.
وتوضح سيويني أن القلب قد يواجه صعوبة في تلبية احتياجات الجسم المتزايدة خلال الحر، ما يرفع خطر الإصابة بالنوبات القلبية أو السكتات الدماغية، وكلاهما يزداد خلال موجات الحر.
كما أن مرضى قصور القلب، الذين يتناول كثير منهم مدرات البول، يكونون أكثر عرضة للجفاف، ما قد يؤدي إلى تفاقم قصور القلب أو حتى إصابة الكلى.
الشقيقة (الصداع النصفي)
رغم أن نتائج الدراسات حول العلاقة بين الحرارة والشقيقة ليست متطابقة دائماً، فإن الأبحاث تشير إلى أن تقلبات درجات الحرارة والضغط الجوي قد تحفز النوبات.
كما أن الصيف يجلب معه عوامل إضافية قد تزيد الخطر، مثل الضباب الدخاني وأشعة الشمس الساطعة والجفاف واضطرابات النوم.
وكل هذه العوامل قد تسهم في زيادة تكرار نوبات الشقيقة أو شدتها.
الاكتئاب والقلق
ترتبط الأيام الحارة بارتفاع معدلات مراجعة أقسام الطوارئ لأسباب تتعلق بالصحة النفسية، بل وحتى بزيادة معدلات الانتحار.
ويقول الأستاذ المشارك في الطب النفسي والصحة السلوكية في كلية الطب بجامعة جورج واشنطن، لورينزو نوريس، إن اضطرابات النوم التي ترافق موجات الحر قد تؤدي إلى تفاقم أعراض الاكتئاب والقلق.
كما قد يؤدي تنشيط استجابة الجسم للتوتر بسبب الحرارة إلى زيادة الشعور بالقلق، في حين قد يفاقم الشعور بعدم القدرة على الهروب من الحر أو السيطرة عليه الضغوط النفسية.
ويضيف نوريس أن بعض مضادات الاكتئاب، مثل مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية، قد تزيد قابلية الجسم للجفاف وفرط السخونة لأنها تؤثر في آليات تنظيم الحرارة.
كيف تحمي نفسك؟
يشدد الخبراء على أهمية الالتزام بإجراءات الوقاية المعتادة خلال موجات الحر، خاصة لدى المصابين بالأمراض المزمنة.
وينصحون بشرب كميات كافية من الماء، واستخدام مكيف الهواء أو المراوح أو بخاخات الماء عند الحاجة.
كما توصي بيتي بحمل مروحة يدوية عند الخروج، ووضع قطعة قماش باردة حول الرقبة، وارتداء ملابس خفيفة تسمح بمرور الهواء.
ومن المهم أيضاً مراجعة الطبيب قبل حلول موجات الحر، خاصة إذا مضى وقت طويل على آخر زيارة، لوضع خطة للتعامل مع ارتفاع درجات الحرارة ومراجعة الأدوية، لأن بعض العلاجات قد تعمل بصورة مختلفة في الطقس الحار.
وأخيراً، تنصح بيتي بتجنب العوامل الأخرى التي يمكن التحكم بها، مثل تفويت الوجبات أو قلة النوم، حتى لا تتراكم مع تأثير الحرارة وتزيد خطر تفاقم الحالة الصحية.

