صحيفة الرأي العام – سورية
اقتصاد سوري

النفط السوري في عهدة الأميركان: «شيفرون» حوت المياه الإقليمية

مصفاة بانياس في الساحل السوري (من الويب)

مصفاة بانياس في الساحل السوري (من الويب)

وقعت شركة «شيفرون» الأميركية مذكرة تفاهم مع الشركة السورية للنفط و«يو سي سي» القابضة القطرية، ⁠لتقييم استكشاف النفط ‌والغاز قبالة سواحل سورية، وجاء هذا التوقيع بمباركة من المبعوث الأميركي إلى سورية، توماس برّاك، الذي قال إنّ «شيفرون» تعد من أهم وأكبر الشركات التي تذهب حيثما تحركت السياسة الأميركية.

هذا الاستثمار في المياه الإقليمية السورية كان محط اهتمام دول عدة وعلى رأسها روسيا (خصم الولايات المتحدة)، وباستحواذ «شيفرون» الأميركية على ذلك، تحقق الولايات المتحدة هدفاً أساسياً من أهداف تمتين علاقاتها مع سورية برفعها إلى درجة لتحالف الاستراتيجي .

إذ ترى الولايات المتحدة في النفط والغاز السوري، ولا سيما في المياه الإقليمية، فرصة تتجاوز البعد الاقتصادي البحت لتدخل في صميم استراتيجيتها الجيو-سياسية الأوسع في شرق المتوسط. فرغم كونها من أكبر منتجي الطاقة عالمياً، تسعى الشركات الأميركية الكبرى إلى الاستثمار في حقول خارجية، خصوصاً الغاز الطبيعي والموارد البحرية غير المستغلة، بهدف تعظيم الأرباح وتوزيع المخاطر وفتح آفاق نمو جديدة خارج السوق الأميركية.

وفي هذا السياق، يُفهم التوجّه نحو سورية – بعد تخفيف أو رفع بعض العقوبات ودخول البلاد مرحلة إعادة الإعمار – كجزء من محاولة إدماج شركات أميركية في إعادة بناء قطاع الطاقة السوري، بما يمنح واشنطن نفوذاً اقتصادياً مباشراً عبر أدوات السوق لا عبر التدخل السياسي المباشر.

وفي الوقت نفسه، يخدم هذا الانخراط هدفاً استراتيجياً أعمق للولايات المتحدة يتمثل في تقييد نفوذ خصومها في سورية، ومن خلال إشراك حلفاء مثل قطر، تسعى الولايات المتحدة إلى بناء شبكة مصالح اقتصادية تربط سورية بمنظومة الطاقة الأطلسية والخليجية، بما يعزز التحالفات ويعيد رسم توازنات القوة في شرق المتوسط.

ثروات سوريا في عهدة الأميركيين!

تبلغ حاجة سورية من النفط بحدود 150 إلى 200 ألف برميل يومياً، ولم تكن تنتج سورية كميات ضخمة حتى في فترة الاستقرار التي سبقت حرب عام 2011، باعتبار أن المعدات والتقنيات تعود إلى فترة الثمانينيات، فكانت تنتج 400 ألف برميل تستخدم منهم 150 برميلاً والباقي للتصدير.

وحول ذلك، أكد الخبير الاقتصادي عمار يوسف في تصريح لصحيقة ـ«الأخبار» اللبنانية، أنّه في حال تدخّل شركات خارجية في التنقيب عن النفط، قد يصل حجم الإنتاج إلى مليون برميل يومياً، حاجة سورية منها أقل من الربع، وما تبقى يمكن تصديره ويعود بالتالي بالنفع على الاقتصاد السوري، إذا ما تم استغلاله داخلياً أو خارجياً.

وتابع يوسف أنّ استثمار النفط والغاز الموجودين في المياه الإقليمية قد يرفع الإنتاج إلى أكثر من مليونين ونصف مليون، إضافة إلى كمية من الغاز لا يستهان بها، مُرجعاً أهمية المياه الإقليمية في سورية إلى قربها من أوروبا.

ولفت يوسف إلى أنّ هناك مشروعاً يهدف إلى إنشاء محطات للغاز المسال في مدينة بانياس الساحلية ومنها إلى أوروبا بشكل كامل، وهذا المشروع يعمل عليه الأميركيون وشركة «شيفرون» على وجه التحديد، التي تعتبر تحت مظلة الحكومة الأميركية.

واستطرد يوسف قائلا إنّ ما جرى مع شركة «شيفرون» والحكومة السورية لا يزال عبارة عن مذكرة تفاهم لم تتحول إلى اتفاق حقيقي، أي إنها على الأرض «لا تعني شيئاً حتى الآن».

وتابع أنّه بعد عام من سقوط النظام السوري السابق يبدو أنّ كل نفط سورية في البر والبحر أصبح «في عهدة الولايات المتحدة».

برزت علاقة «شيفرون» بإلكيان الصهوني بعد حرب الإبادة على قطاع غزة في 2023

ما علاقة «شيفرون» بإلكيان؟

تعمل شركة شيفرون في أكثر من 180 دولة حول العالم. نشاطها المركّز في الولايات المتحدة، كازاخستان، أستراليا، إفريقيا، وأميركا اللاتينية، بالإضافة إلى استثماراتها في عدد من الدول العربية أبرزها: السعودية، الكويت، مصر، والإمارات العربية المتحدة.

واللافت أنّ «شيفرون» تعتبر أكبر شركة أجنبية تدير حقول الغاز في فلسطين المحتلة، مثل حقل «ليفيان» الذي يُعد أكبر حقل غاز طبيعي في شرق المتوسط، وحقل «تمار»، وتسربت هذه الشركة إلى إدارة الحقول في فلسطين المتلة في عام 2020، حيث استحوذت على شركة «Noble Energy» الأميركية، التي كانت تمتلك حصة رئيسية في هذه الحقول ، ومع الاستحواذ أصبحت «شيفرون» اللاعب الأجنبي الأكبر في قطاع الغاز في فلسطين المحتلة.

وقد برزت علاقة «شيفرون» بإلكيان بعد حرب الإبادة على قطاع غزة في 2023، حيث تعرّضت لانتقادات ومقاطعات في دول أوروبية عدة، وأدانت استثماراتها حركات داعمة للقضية الفلسطينية في العالم، لكونها تسهم اقتصادياً في دعم الكيان عبر قطاع الطاقة.

من «سويوز» الروسية إلى «شيفرون» الأميركية

ما حصلت عليه «شيفرون» الأميركية في سورية من خلال مذكرة التفاهم كان من نصيب شركة «سويوز» الروسية في عام 2013، عندما وقّعت الحكومة السورية اتفاقية استكشاف النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية مع الشركة، لتبدأ بذلك أول عملية تنقيب بحري في مياه سورية في البحر الأبيض المتوسط.

آنذاك، بلغت المنطقة المستهدفة حوالى 2,190 كيلومتراً مربعاً بين مدينتي طرطوس وبانياس على السواحل السورية، وكان يمتد الاتفاق لـ 25 سنة ويُموَّل من قبل روسيا عبر الشركة الروسية، ويبدأ من مرحلة أبحاث ومسح جغرافي بقيمة نحو 15 مليون دولار، يليها حفر بئر تجريبي بتكلفة حوالى 75 مليون دولار، وإذا تم اكتشاف احتياطيات تجارية، كانت الشركة ستبني بنية تحتية لتطوير الحقل واستخراج النفط أو الغاز.

لكن وبشكل مفاجئ، ألغيت هذه الاتفاقية في عام 2015، حيث أعلن رئيس الشركة يوري شافرانيك أن شركة «سويوز نفط غاز» لن تُتابع تنفيذ المشروع في مياه سورية بسبب المخاطر الأمنية الناتجة من الحرب الأهلية، ولم تكتفِ الشركة بإلغاء التنقيب البحري فقط، بل جمّدت أيضاً أعمالها في مشاريع نفط وغاز برّية داخل سورية، مثل الكتل 12 و26 قرب الحدود التركية والعراقية.