صحيفة الرأي العام – سورية
ثقافة وفنون

كيف تحوّل منزلك إلى مساحة مقاومة للاكتئاب الموسمي في الشتاء؟

كيف تحوّل منزلك إلى مساحة مقاومة للاكتئاب الموسمي في الشتاء؟

كيف تحوّل منزلك إلى مساحة مقاومة للاكتئاب الموسمي في الشتاء؟

مع دخول فصل الشتاء وتراجع ساعات الضوء الطبيعي، يعاني ملايين الأشخاص حول العالم من الاضطراب العاطفي الموسمي (SAD)، وهو نوع من الاكتئاب يظهر غالباً في فصلي الخريف والشتاء. تشير البيانات إلى أن هذا الاضطراب يصيب نحو 5% من الأميركيين، وهي نسبة مماثلة عالمياً، فيما يعاني اثنان من كل خمسة أميركيين أعراضاً أخف تُعرف باسم «كآبة الشتاء».

وبحسب تقرير موسّع نشرته «ناشيونال جيوغرافيك»، لا تقتصر مواجهة الاكتئاب الموسمي على العلاج بالضوء أو التدخلات الطبية فقط، بل يمكن لتصميم المنزل نفسه أن يلعب دوراً داعماً للصحة النفسية، استناداً إلى أبحاث العمارة العصبية التي تدرس كيف يمكن لتصميم المساحات الداخلية أن تؤثر في علم النفس البشري ووظائفه الفسيولوجية.

ما هو الاكتئاب الموسمي؟ وما أبرز أعراضه؟

يقول المتخصص في العمارة الحيوية والعمارة العصبية في كلية لشبونة للهندسة المعمارية، إلتون ليما، إن أعراض الاكتئاب الموسمي تشمل:

-انخفاض المزاج

-تعباً شديداً

-انسحاباً اجتماعياً

وترتبط هذه الأعراض بانخفاض التعرض للضوء الطبيعي خلال الأشهر الباردة، ما يؤثر مباشرة في الإيقاع اليومي للجسم.

الإضاءة: العنصر الأهم في مواجهة الاكتئاب الموسمي

  • مفتاح التعامل مع الاكتئاب الموسمي يكمن في تنظيم الساعة البيولوجية مفتاح التعامل مع الاكتئاب الموسمي يكمن في تنظيم الساعة البيولوجية

يوضح ليما أن مفتاح التعامل مع الاكتئاب الموسمي يكمن في تنظيم الساعة البيولوجية. فقلة الضوء تؤدي إلى:

-زيادة إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن النعاس.

-انخفاض السيروتونين المسؤول عن تنظيم المزاج.

متى يكون العلاج بالضوء ضرورياً؟

بحسب التقرير، يمكن أن يكون العلاج بالضوء باستخدام مصابيح قوية تصل شدتها إلى 10 آلاف لوكس أو أكثر مفيداً في الحالات الشديدة، لا سيما عندما تؤثر الأعراض في القدرة على ممارسة الحياة اليومية أو تترافق مع أفكار انتحارية.
أما الأعراض الأخف، فغالباً ما تستجيب بشكل جيد للضوء الطبيعي أو للإضاءة الاصطناعية المضبوطة بعناية.

توقيت الضوء لا يقل أهمية عن شدته

تشير دراسة أُجريت عام 2025 إلى أن التعرض للضوء قبل الساعة العاشرة صباحاً هو الأكثر فاعلية في تحسين جودة النوم. ولهذا ينصح ليما بوضع طاولة الإفطار قرب النافذة أو فتح الستائر فور الاستيقاظ للاستفادة القصوى من الضوء الطبيعي.

في المقابل، يحذر من التعرض المفرط للضوء الأزرق الصادر عن مصابيح LED والأجهزة الإلكترونية مساءً، لما له من تأثير سلبي في إفراز الميلاتونين. ويُنصح باستخدام إضاءة دافئة ومصابيح منخفضة الضوء الأزرق في ساعات الليل.

إدخال الطبيعة إلى المنزل: دعم نفسي مثبت علمياً

تسلّط «ناشيونال جيوغرافيك» الضوء على دور التصميم البيوفيلي، أي التصميم المستوحى من الطبيعة، في التخفيف من أعراض الاكتئاب الموسمي.

وتقول مصممة في علم الجمال العصبي ومؤسسة Kinda Studios، روبين لاندو، إن ضعف التركيز يُعد من أبرز تحديات هذا الاضطراب. غير أن تحليلاً علمياً نُشر عام 2022 أظهر أن مجرد التواجد قرب عناصر تذكّر بالطبيعة يساعد على تقليل التوتر واستعادة القدرات المعرفية.

حتى إضافة نبتة أو اثنتين متوسطتي الحجم إلى المساحات المستخدمة يومياً يمكن أن تُحدث فرقاً ملموساً. وفي حال تعذّر ذلك، يمكن الاستعاضة عنها بمواد طبيعية مثل الخيزران أو بصور مستوحاة من الطبيعة، إذ أظهرت دراسة عام 2022 أن النظر إلى صور الطبيعة وحده يخفف مستويات التوتر.

الألوان وتأثيرها في المزاج خلال الشتاء

  • ربطت دراسة بين الجدران ذات الألوان الباردة مثل الأزرق والأخضر وزيادة الانتباه والذاكرةربطت دراسة بين الجدران ذات الألوان الباردة مثل الأزرق والأخضر وزيادة الانتباه والذاكرة

لا يقتصر تأثير المنزل في الصحة النفسية على الإضاءة والطبيعة، بل يشمل الألوان أيضاً. تشير لاندو إلى أن تفضيلاتنا اللونية ترتبط غالباً بالذاكرة والانطباعات:

-الأزرق يذكّر بالسماء

-الأصفر يرمز إلى الشمس والطاقة

وفي دراسة نُشرت عام 2023، ارتبط اللون الأصفر أكثر من غيره بمشاعر الأمل.

لكن طلاء المنزل بألوان زاهية بالكامل قد يكون مرهقاً بصرياً، لذلك يُنصح باستخدام الألوان لتحديد مساحات محددة. فقد ربطت دراسة عام 2021 بين الجدران ذات الألوان الباردة مثل الأزرق والأخضر وزيادة الانتباه والذاكرة، في حين أدت الجدران البيضاء إلى انخفاض الكفاءة.

كما يشدد ليما على أهمية الانسجام بين ألوان الجدران ونوعية الإضاءة، إذ قد تجعل الألوان الداكنة الغرف قليلة الإضاءة أكثر كآبة، بينما تعزز الإضاءة الدافئة الإحساس بالراحة في غرف النوم والمعيشة.

تصميم يُخاطب الحواس وليس العين فقط

يقول عالم النفس التجريبي في جامعة أكسفورد تشارلز سبنس، إن تصميم المساحات السكنية الداعمة للصحة النفسية يجب أن يشمل الروائح والملمس والصوت بالإضافة إلى الجانب البصري.

وتشير مراجعة علمية عام 2025 إلى ارتباط روائح الطبيعة بانخفاض التوتر، فيما ربطت دراسة عام 2022 رائحة إكليل الجبل بتحسين الوظائف المعرفية. كما أظهرت أبحاث أن مواد مثل الخشب والفلين والطين تسهم في تهدئة الجهاز العصبي وتحسين التركيز، وتخفف من ظاهرة «جوع اللمس» التي تزداد خلال الشتاء.

أما على المستوى السمعي، فتساعد الأصوات الطبيعية والموسيقى الهادئة في تعزيز الاسترخاء. ووجدت دراسة عام 2024 أن الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية أو الخفيفة قلّل أعراضاً شبيهة بالاكتئاب في التجارب المخبرية، بخلاف الموسيقى الصاخبة أو اللانغمية.

الخلاصة

يؤكد الخبراء أن تصميم المنزل لا يُغني عن العلاج الطبي عند الحاجة، لكنه يشكّل عاملاً داعماً مهماً في مواجهة الاكتئاب الموسمي. وتشمل التوصيات المرافقة:

-الاستفادة من الضوء الطبيعي صباحاً.

-الخروج في نزهة يومية.

-التواصل الجسدي مع الأحبة أو الحيوانات الأليفة.

-فتح النوافذ للتهوئة الطبيعية.

ويختم إلتون ليما بالقول: «لا يمكننا الادعاء بأن التصميم الداخلي يعالج الاكتئاب الموسمي، لكن منازلنا هي الأماكن التي تقضي فيها أدمغتنا معظم فصل الشتاء، وإذا صُممت بعناية يمكن أن تصبح أكثر صحة ودعماً للحياة اليومية».